جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تُمثل الحركة النقابية في لبنان تاريخاً عريقاً من النضال العمالي الذي تشابك مع النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد للبلاد، وهي هيئات تمثيلية تأسست للدفاع عن حقوق العمال والمهنيين ورفع مستواهم. تعود جذور هذه الحركة إلى أوائل القرن العشرين، حيث بدأت النواة الأولى للتنظيمات العمالية في مواجهة ظروف العمل القاسية، وتُوِّج هذا النضال بإصدار قانون العمل اللبناني عام 1946 الذي اعترف بالحق النقابي وأعطى الإطار القانوني لتأسيس النقابات، مسجلاً بذلك لحظة فارقة في تاريخ الحريات العمالية. كان الهدف الأساسي للنقابات في تلك المرحلة الذهبية، والتي قادتها القوى اليسارية وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني الذي كان رائداً في تنظيم العمال على أسس طبقية وغير طائفية، هو الدفاع عن حقوق العمال، والمطالبة بتحسين الأجور، وتوفير الأمن الوظيفي، وضمان الضمانات الاجتماعية، ولعبت دوراً هاماً في الضغط من أجل إقرار قوانين عمل عادلة.
إلا أن هذا المسار النضالي سرعان ما اصطدم بحائط الواقع السياسي اللبناني بعد الحرب الأهلية، حيث تزايد التدخل السافر للسلطة والأحزاب السياسية والطائفية في قيادة النقابات والاتحاد العمالي العام، مما أدى إلى تراجع استقلاليتها بشكل كبير. تحولت الهيئات النقابية الرسمية إلى ساحة لتنافس القوى التقليدية، وأصبح توزيع المناصب القيادية يخضع لمنطق المحاصصة والمحسوبية الطائفية بدلاً من الكفاءة، مما أفقد النقابة قدرتها على النضال بفاعلية لصالح منتسبيها. هذا التغلغل هو السبب الرئيسي في تدهور وظيفة النقابات وفقدانها لاستقلاليتها، إذ باتت غير قادرة على اتخاذ مواقف موحدة ومستقلة، وغالباً ما تلتزم الصمت خلال الأزمات الكبرى. ونتيجة لذلك، تعيش الحركة النقابية حالياً حالة شبه شلل، وفشلت النقابات الرسمية إلى حد كبير في ضمان زيادات في غلاء المعيشة تتناسب مع التضخم الجامح الذي تسبب به الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق.
يزداد المشهد سوءاً في القطاع الخاص والمؤسسات ذات الطابع الطائفي كالمؤسسات التعليمية والصحية الخاصة، التي تمارس ضغوطاً ممنهجة لمنع تشكيل النقابات. يُستخدم التهديد بالفصل التعسفي كسلاح رادع، وتُستغل ثقافة الولاء الطائفي أو العائلي لتقويض التضامن العمالي العابر للطوائف، وينظر إلى أي محاولة نقابية كـ “خيانة” لهذا الولاء. هذه الممارسات تنتهك الحق في التنظيم، الذي يعد حقاً أساسياً منصوصاً عليه في المواثيق الدولية وقانون العمل اللبناني، وتؤدي إلى استغلال العمال وتقويض كرامتهم، ما يؤكد على الحاجة الماسة إلى إصلاحات تشريعية وقانونية جذرية تتناسب مع معايير منظمة العمل الدولية. وقد أدى هذا الشلل إلى ظهور تجمعات مهنية مستقلة ونقابات غير رسمية، خاصة بعد احتجاجات تشرين الأول، تعمل خارج عباءة الأحزاب التقليدية، لتؤكد أن التحرر ممكن عبر النضال المستقل.
إن استعادة قوة ومكانة النقابات في لبنان تتطلب مساراً مزدوجاً يجمع بين النضال النقابي المستقل والإصلاحات التشريعية الجذرية. يجب على القوى العمالية الجادة النأي بالعمل النقابي عن التبعية للأحزاب، وبناء تحالفات واسعة بين التجمعات المستقلة لإنشاء جبهة عمالية موحدة تركز حصراً على المطالب المهنية والمعيشية. وعلى الصعيد التشريعي، هناك حاجة ماسة إلى:
أولاً، ضمان الحرية النقابية المطلقة وحماية العمال في القطاع الخاص: يجب تعديل قانون العمل لعام 1946 لإزالة القيود التي تفرض شروطاً معقدة وموافقات إدارية مسبقة على تأسيس النقابات، بما يضمن حرية التأسيس دون تدخل إداري مفرط، ويُسهِّل إنشاء النقابات في المؤسسات الخاصة والطائفية. هذا التعديل يتطلب فرض عقوبات مالية وجنائية رادعة ومشددة على أصحاب العمل الذين يمنعون موظفيهم من تشكيل النقابات أو الانضمام إليها، وضرورة توفير حماية قانونية صريحة وكافية للممثلين النقابيين لتمكينهم من أداء واجباتهم دون خوف من الانتقام أو الفصل التعسفي. كما يجب وضع آليات قانونية فعالة وملزمة لتشجيع التفاوض الجماعي وعقد العمل الجماعي لضمان حقوق أفضل للعمال.
ثانياً، تفعيل آليات الرقابة والعدالة: لا تقتصر العبرة على سن القوانين، بل في إلزام تطبيقها. يجب تفعيل دور وزارة العمل عبر تعزيز التفتيش العمالي وتزويد المفتشين بالصلاحيات والموارد اللازمة للقيام بزيارات مفاجئة للمؤسسات الخاصة، وإنشاء محاكم عمالية متخصصة وسريعة لضمان البت السريع في النزاعات العمالية والقضايا المتعلقة بالحقوق النقابية. ويتطلب الأمر أيضاً سن قوانين صارمة تجرّم التدخل السياسي والطائفي في الشؤون الداخلية للنقابات وانتخاباتها، وتضمن الشفافية المالية والإدارية داخل الهيئات النقابية نفسها.
إن استعادة قوة النقابات ليست مجرد معركة قانونية، بل هي نضال اجتماعي وسياسي مستمر يتطلب إرادة عمالية صلبة ودعماً من المجتمع المدني والقوى الديمقراطية لإجبار السلطة على احترام الحقوق الأساسية، بهدف تحرير العمل النقابي من الهيمنة الطائفية وإعادة دوره الحيوي كصوت مدافع عن كرامة العامل اللبناني وحقوقه المعيشية.


