الإثنين, ديسمبر 15, 2025
16.3 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ الدولة الفاشلة” ورهان الإعمار

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم علي خليل ترحيني  مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

يشهد الواقع اللبناني الحالي تقاطعات معقدة ومتفجرة للمستويات السياسية والعسكرية والدبلوماسية، ما يجعله على حافة منزلق خطير قد يعيد تشكيل مسار المنطقة بأسرها. إن القراءة الاستشرافية لمجريات الأحداث الإقليمية والدولية ذات الصلة ترجح أن لبنان يتجه نحو مرحلة من “التفاوض تحت التهديد”، وهي ديناميكية تفرضها قوة الأمر الواقع الإقليمية والدولية، وتؤطرها عوامل داخلية بالغة التعقيد.

تتصاعد احتمالات الحرب الإسرائيلية الجديدة ضد لبنان، ليس كخيار مفاجئ، بل كـ”شبه حتمية” يتم التبشير بها عبر الأروقة الإعلامية والسياسية. في هذا السياق، يمثل إعلان رئيس الجمهورية جوزف عون المتكرر عن استعداد لبنان للتفاوض واعتماده كـ”خيار حصري” محاولة لنزع الذرائع الإسرائيلية واستقطاب تأييد دولي لـموقف الدولة اللبنانية، التي تدرك أن الحرب لم تعد أداة مجدية بل هي نهاية بائسة لكل الأطراف. تكمن المفارقة في أن دعوات التفاوض هذه تصطدم مباشرة مع خطابات “التحدي والرفض لتسليم السلاح” من قبل “حزب الله” وداعمته إيران، ما يخلق تقاطعاً ضمنياً مع سياسة توفير الذرائع اللازمة لإسرائيل لتبرير أي تصعيد عسكري. هذه الازدواجية في الموقف اللبناني تُضعف الموقف التفاوضي للدولة وتزيد من وطأة الضغوط الدولية.

على المستوى الدبلوماسي، تعمل الولايات المتحدة ومصر على بلورة إطار تفاوضي، لكن نجاح هذه الجهود مرهون بمدى سرعة وفعالية الدول الوسيطة في فرض صيغة مقبولة على الطرفين، لـتجنب الانزلاق إلى التصعيد الحربي. النبرة القاسية للموفد الأميركي توم برّاك، وتصريحاته التي وصفت لبنان بـ”الدولة الفاشلة”، تكشف عن نفاد الصبر الدولي تجاه الأزمة اللبنانية وغياب سلطة الدولة، وهي مواقف تصبّ في خانة تبرير أي ضغط قادم، سياسياً أو عسكرياً. برّاك يضع الكرة في ملعب القيادة اللبنانية عبر دعوته عون إلى محاكاة القيادات العالمية ورفع سماعة الهاتف لـ”وضع حد لهذا العبث”، ما يشير إلى أن واشنطن لم تعد تقبل بـ”منطق الوسطاء” فقط، بل تطالب بخطوات مباشرة وجريئة من رأس الدولة اللبنانية.

في المقابل، يمثل رد المبعوث الأميركي السابق آموس هوكشتاين على مواقف برّاك تحليلاً أعمق لـجوهر الأزمة اللبنانية، حيث أرجع “فشل” لبنان جزئياً إلى تقاعس المجتمع الدولي عن المساعدة في إعادة الإعمار بعد حرب 2006، ما سمح لـ”حزب الله” وإيران بملء الفراغ. يمثل هذا التصريح دعوة ضمنية لـتغيير المقاربة الدولية من مجرد التهويل بالحرب والضغط السياسي إلى تقديم “مقاربة حقيقية لإعادة الإعمار” في الجنوب، لانتزاع الحاضنة الشعبية وتثبيت دور الدولة. الدعم الفرنسي المعلن من وزير الخارجية جان نويل بارو، بدعوته إلى نزع سلاح “حزب الله” واستعداد بلاده لاستضافة مؤتمر إعادة إعمار، يعكس هذا التوجه نحو ضرورة الموازنة بين الضغط السياسي والدعم الاقتصادي المشروط بالإصلاحات.

أما على المستوى الإقليمي، فإن المواجهة الكلامية المحتدمة بين الموفد الأميركي وقيادات إيرانية، مثل علي لاريجاني، تؤكد أن لبنان يتحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، حيث ترى طهران أن التهديدات الأميركية بالتصعيد هي نتيجة “إدراك صعوبة نزع سلاح حزب الله”. هذا التطور يرسخ حقيقة أن القرار الحربي والسلمي في لبنان لم يعد محصوراً بيد الدولة، بل هو رهن التوازنات الإقليمية وحسابات المحور الإيراني.

من منظور استشرافي، تشير المعطيات إلى أن الأيام القادمة لن تحمل انفراجاً كاملاً، بل ستكون فترة تحديد الثمن وتأطير التفاوض. إن المساعي المصرية والأميركية ستصب في النهاية في تحديد “صيغة تفاوضية” تتجنب الحرب الشاملة ولكنها في الوقت نفسه تسعى إلى إيجاد آلية لنزع فتيل التوتر على الحدود وضمان الاستقرار. النجاح في تجنب الحرب يعتمد بشكل كبير على قدرة الوسطاء على إقناع إسرائيل بتحويل أهدافها من الخيار العسكري الحتمي إلى “التفاوض المباشر أو غير المباشر” الذي يحقق لها مكاسب أمنية.

أما على الصعيد المالي والاقتصادي، فإن استمرار حالة “التهويل والتخويف بالحرب” يمثل العامل الأكبر في تجميد الإصلاحات وعرقلة أي تدفق لرؤوس الأموال الأجنبية أو استثمارات المانحين الدوليين. الاستقرار الأمني، وإن كان هشا، هو الشرط الأساسي لإعادة تفعيل عجلة الاقتصاد المتهاوي. إن الأزمة المستمرة تشير إلى أن أي دعم خارجي، حتى لأغراض الإعمار، سيبقى رهناً بالإصلاحات البنيوية التي فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذها، ما يُبقي البلاد في حلقة مفرغة من الانهيار والترقب.

في الختام، يبدو المشهد اللبناني كـميزان دقيق يتأرجح بين خيارين حادين: التفاوض أو الهاوية. التحليل العميق يفرض حتمية أن لبنان يتجه نحو “سلام هش” لا يتحقق إلا عبر عملية تفاوضية صعبة، يُدفع ثمنها من سيادة الدولة وموقعها، ما لم تنجح القيادة اللبنانية في استغلال الدعم الدولي المشروط وتحويله إلى رافعة حقيقية لفرض سلطة الدولة والإصلاح. إن قدرة لبنان على الصمود والتحول من “دولة فاشلة” إلى كيان قادر على إدارة أزمته ستكون المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل المقاربة الدولية والإقليمية تجاهه.

 

https://hura7.com/?p=69815

الأكثر قراءة