
جريدة الحرة بيروت
أسطيفان يلدز
ست سنوات مرّت على “ثورة 17 تشرين” في لبنان، الثورة التي أشعلت الشوارع بشعار بسيط:
“كلن يعني كلن”.
شعار هزّ القصور والمجالس، لكن يبدو أنه لم يُسقط سوى أوهام الناس بأن التغيير ممكن بلا ثمن. اليوم، ونحن نحيي الذكرى السادسة، لا نرى سوى رماد تلك الشعلة التي أطفأها السلاح غير الشرعي وبعض الشرعي أيضاً، حين قرّر كل طرف أن الثورة مسموح بها… ما لم تقترب من مصالحه.
في كل عام، نحاول أن نحتفل، لكن بأي شيء؟
برئيسٍ أو رئيس حكومة لا يحكم؟ يبدو أن الطبقة السياسية لا تزال في مكانها، تتبدل فقط الكراسي والألقاب، بينما المشهد العام ثابت: الانهيار مستمر، والليرة تترنح، والناس تعيش على قيد الانتظار.
يقال إن الثورة لم تنجح لأنها لم تكن موحدة، والحقيقة أن من أفشلها لم يكن انقسام الشارع، بل تحالف المنظومة مع قوة السلاح والفساد. فحين خرج الشباب إلى الساحات يطالبون بدولة، خرجت السلطة بالسلاح والدعاية والطائفية. الثورة رفعت الأعلام اللبنانية، بينما السلطة رفعت شعار “الأمن أولاً”، وكأن الأمن لا يتحقق إلا بتكميم الأفواه.
المفارقة أن هذه الذكرى تختلف عن سابقاتها، تأتي في ظل ضغوطات دولية وإقليمية خانقة:
واشنطن تضغط بالعقوبات، أوروبا تتحدث عن إصلاحات وهمية، والعواصم العربية تتفرج من بعيد. كأننا بلد يدور في حلقة مفرغة من الاجتماعات والوساطات والبيانات التي لا تسمن ولا تغني عن كهرباء.
في هذه الذكرى، من المفيد أن نتذكر أن الثورة لم تهزم فقط، بل أُجهضت بعمليات قيصرية متكررة: مرة باسم الأمن، ومرة باسم الاستقرار، ومرة باسم “التوافق الوطني” الذي لا يولد سوى الشلل العام.
وها نحن بعد ست سنوات، نتساءل بسخرية مريرة: هل غيّر الرئيس شيئا؟ هل تحرك البرلمان ؟ الجواب معروف، بل مملّ: لا جديد سوى ازدهار الخطابات وغلاء الأسعار.
الثورة اليوم لا تحتاج إلى ساحات جديدة، بل إلى ذاكرة جديدة. لأن الخطر الحقيقي ليس في أن الثورة فشلت، بل في أن اللبنانيين بدأوا يعتادون الفشل كجزء من يومهم.
في الذكرى السادسة، نكتشف أن من انتصر ليس “المنظومة ولا “المعارضة”، بل اليأس الجماعي الذي استقر في النفوس، حتى صار الاعتياد على الذل نوعًا من الوطنية.
وربما، في بلد يتقن فن النسيان، سيكون الاحتفال الحقيقي عندما نثور مرة أخرى… لا ضد السياسيين فحسب، بل ضد فكرة أننا لا نستحق أفضل منهم.


