جريدة الحرة ليروت

بقلم أسطيفان يلدز
في ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية للبنان واستمرار الغارات الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار، عاد الملف اللبناني إلى واجهة التحركات الدبلوماسية الدولية. وبينما يسعى لبنان لتفادي مواجهة جديدة، برزت تصريحات الرئيس جوزاف عون الداعية إلى مفاوضات متبادلة مع إسرائيل، في محاولة لوقف دوامة التصعيد المستمرة منذ أكثر من عام. لبنان
دعا الرئيس اللبناني جوزاف عون يوم العاشر31 أكتوبر 2025 إلى مفاوضات متبادلة مع إسرائيل تهدف إلى إنهاء الغارات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان، مؤكدا أن أي حوار يجب أن يقوم على الإرادة المشتركة وليس من طرف واحد.
وجاءت تصريحاته خلال لقائه في بيروت وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول، الذي يقوم بجولة شرق أوسطية هي الأولى له منذ توليه منصبه.
تصريحات عون تأتي في وقت تشهد فيه الحدود الجنوبية تصعيداً جديداً بعد عام تقريباً من اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن في نوفمبر 2024، وأنهى المواجهة الواسعة بين إسرائيل وحزب الله.
إلا أن الغارات الإسرائيلية لم تتوقف تماماً منذ ذلك الحين، إذ تواصل إسرائيل شن ضربات شبه يومية تقول إنها تستهدف مواقع ومخازن أسلحة تابعة لحزب الله، فيما تتهم بيروت تل أبيب بانتهاك سيادة لبنان واستهداف مناطق مدنية وبنى تحتية لا علاقة لها بالتنظيم.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن غارات إسرائيلية جديدة، الجمعة يوم 31 أكتوبر 2025، أودت بحياة شخصين في مناطق عدة من الجنوب. لبنان
وأعلنت إسرائيل أن أحد القتلى متورط في إعادة بناء منشآت عسكرية لحزب الله. كما نفذت قوة إسرائيلية خاصة، الخميس الماضي، عملية برية محدودة داخل بلدة بليدا الحدودية أسفرت عن مقتل موظف بلدي، في حادث نادر أثار استنكاراً واسعاً في لبنان.
واعتبرت الرئاسة اللبنانية أن الضحية “قتل أثناء أداء مهامه الرسمية”، فيما قالت إسرائيل إن العملية استهدفت “بنية تحتية إرهابية” وردّت على “تهديد مباشر.”
وأكد الرئيس عون أن لبنان جاهز للانخراط في مفاوضات تهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكنه شدد على أن نجاح أي مبادرة يتطلب إرادة متبادلة، موضحاً أن تحديد صيغة المفاوضات وتوقيتها ومكانها سيبحث في وقت لاحق.
وأضاف أن الجيش اللبناني سيعزز وجوده في الجنوب ليصل إلى عشرة آلاف جندي قبل نهاية العام، مع استمرار التنسيق الكامل مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) لضمان الالتزام بوقف إطلاق النار وتطبيق القرار الدولي 1701. لبنان
تحركات دبلوماسية أوروبية متزايدة تهدف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية،
الموقف اللبناني يأتي في ظل تحركات دبلوماسية أوروبية متزايدة تهدف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة جديدة.
وخلال زيارته بيروت، وصف وزير الخارجية الألماني الضربات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية بأنها غير مقبولة، مؤكداً ضرورة احترام سيادة لبنان ووقف جميع الخروقات. ودعا واديفول إلى التزام كل من إسرائيل وحزب الله بترتيبات وقف إطلاق النار التي رعتها الأمم المتحدة.
من جهته، رحب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بموقف الرئاسة اللبنانية، واعتبر أن توجيه الرئيس الجيش لمواجهة أي توغل إسرائيلي خطوة مسؤولة تبني موقفاً وطنياً موحداً، مشيراً إلى أن مواقف الرؤساء الثلاثة وعدد من المسؤولين تعكس وحدة الموقف الوطني تجاه الاعتداءات الإسرائيلية.
أن دعوة الرئيس عون للمفاوضات تمثل محاولة لإعادة تحريك قنوات دبلوماسية مجمدة منذ سنوات، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انهيار التهدئة الهشة القائمة منذ اتفاق 2024. لبنان
فالتوتر على الحدود الجنوبية لا ينفصل عن المشهد الإقليمي الأوسع، ولا سيما الحرب في غزة والتوترات بين إيران وإسرائيل، ما يجعل لبنان ساحة مفتوحة لاحتمالات التصعيد في حال فشل المسار الدبلوماسي.
وبينما تسعى الحكومة اللبنانية لتفادي مواجهة عسكرية جديدة، تبقى قدرة الدولة محدودة في ظل انقسام داخلي حاد وأزمة اقتصادية عميقة تعيق أي تحرك سياسي أو عسكري واسع. ومع ذلك، يبدو أن بيروت تراهن على دعم أوروبي وأممي لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى تسوية شاملة تضمن احترام السيادة اللبنانية وتضع حداً لدائرة التصعيد المستمرة منذ عامين تقريباً.
أن الموقف الألماني في بيروت يعكس توجهاً أوروبياً متنامياً لإعادة تنشيط الدبلوماسية في الشرق الأوسط بعد انحسار الدور الأميركي خلال الأشهر الأخيرة. فبرلين وباريس تسعيان إلى حماية المصالح الأوروبية في شرق المتوسط ومنع توسع النزاع من غزة ولبنان إلى ساحات أوسع قد تهدد أمن الطاقة الأوروبي.
وتسعى ألمانيا، عبر تنسيقها مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى دعم الجيش اللبناني وتمكينه من لعب دور فعّال في الجنوب كخيار بديل عن المواجهة المباشرة بين حزب الله وإسرائيل.
ومن المتوقع أن تشكل هذه المقاربة الأوروبية أساساً لتحرك أوسع في الأسابيع المقبلة، يهدف إلى الحفاظ على توازن الردع ومنع انهيار التهدئة الهشة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. لبنان
يمكن اعتبار زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان واديفول إلى بيروت إشارة واضحة إلى تنامي الحضور الأوروبي في الملف اللبناني، في وقت تتراجع فيه فاعلية الوساطة الأميركية.
فتصريحات الوزير الألماني التي وصف فيها الضربات الإسرائيلية بأنها غير مقبولة تعكس تحولا نسبيا في الموقف الأوروبي نحو تبني خطاب أكثر توازنا بين إسرائيل ولبنان.
وتأتي هذه الزيارة في إطار سعي برلين إلى تجنب انفجار جبهة الجنوب، ودعم دور الجيش اللبناني كقوة شرعية قادرة على ضبط الحدود بالتعاون مع قوات اليونيفيل، ما يجعل من الموقف الألماني خطوة محسوبة لإعادة تثبيت خطوط التهدئة وتأكيد رفض أي خرق إسرائيلي يمسّ بسيادة لبنان.
أن الموقف اللبناني الأخير يعبر عن رغبة رسمية في تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، مقابل إصرار إسرائيلي على فرض وقائع ميدانية تتجاوز اتفاق الهدنة. وبين المبادرات الأوروبية الداعية إلى التهدئة والوساطة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان لبنان قادراً على إدارة هذه المعادلة الدقيقة بين الضغوط الدولية والتحديات الداخلية، في وقت تتزايد فيه احتمالات عودة التصعيد العسكري على حدوده الجنوبية.


