جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

وينعكس هذا التوجه في تمدد نطاق الاستهداف الذي أعلنته وزارة الخزانة الأميركية ليشمل تسع شخصيات، مرتكِزاً على عناوين معلنة تتمثل في مكافحة النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ومعاقبة الأطراف المتهمة بعرقلة القرارات الدولية، فضلاً عن حظر التنسيق الأمني والمعلوماتي مع القوى المستهدفة، وهو ما برر إدراج ضباط أمنيين رسميين للمرة الأولى في تاريخ هذه الإجراءات. وتتوزع القراءات السياسية حول هذه الخطوة بين من يرى فيها سياسة ترهيب مكشوفة ومحاولة لفرض وصاية مباشرة على الأجهزة الرسمية لمنع التواصل الداخلي وخنق البيئة الاجتماعية عبر تحميلها كلفة الدمار والعزل، وبين وجهة النظر الدولية التي تعتبر أن هذا الملف بات شرطاً إقليمياً ودولياً لإنهاء الصراع، ويهدف إلى توجيه رسائل حازمة للمؤسسات الرسمية بضرورة الخروج من المنطقة الرمادية وحصر الصلاحيات والسلاح بيد الدولة وحدها.
ويتجاوز المدى الاستراتيجي لهذه العقوبات الضغوط الآنية ليصل إلى محاولة إعادة هندسة التوازنات السياسية والداخلية على المدى البعيد، وتحديداً في الاستحقاقات الدستورية والانتخابية المقبلة. وتسعى هذه السياسة إلى فرض حصار سياسي مسبق عبر عزل نواب ومرشحين محتملين لمنع القوى الوسطى من التحالف معهم، وإيصال رسالة إحباط للشارع بأن الخيارات السياسية الحالية تعني استمرار الانهيار, مما قد يؤدي إلى تغيير المزاج الانتخابي العام. ويترافق ذلك مع الانتقال من استهداف النخبة السياسية إلى ضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي والبلدية العامة في لبنان وخاصة ضمن البيئة الحاضنة (الشيعية)، من خلال إدراج رجال أعمال ورؤساء بلديات لشل المشاريع التنموية المحلية، وخلق حالة من الرهبة لدى الموظفين الحكوميين للإحجام عن توقيع المعاملات الأساسية للمناطق المحسوبة على تلك البيئة، مما يؤدي إلى تطهير إداري غير مباشر وإبطاء العجلة المؤسساتية لتعميق شعور الإقصاء والتهميش.
وفي الجانب المالي، يشكل الحصار الاقتصادي جوهر هذا الصراع من خلال محاولة التحكم في السيولة النقدية ومسار إعادة الإعمار، مما يفرض ضغوطاً هائلة على القطاع المصرفي اللبناني المنهار أساساً. وتجد المصارف اللبنانية نفسها مدفوعة نحو الامتثال المفرط والتطبيق الاستباقي للعقوبات بدافع الذعر التام من خسارة المصارف المراسلة في نيويورك وأوروبا، والتي تشكل الشريان الوحيد المتبقي لصلاتها المالية مع العالم، مما يترتب عليه عزل وتجميد حسابات شرائح واسعة من المواطنين والتجار بمجرد الشبهة أو صلات القربى.
هذا الطرد المنظم من النظام المصرفي الشرعي يؤدي حكماً إلى ازدهار اقتصاد النقد الكامل، وهو ما تدركه واشنطن وتراهن عليه كفخ بعيد المدى، إذ إن تحول الكاش إلى نظام دائم ومؤسس عبر شبكات موازية يضع لبنان ككل تحت مجهر المؤسسات الدولية مثل مجموعة العمل المالي، ويهدده بالوقوع في القائمة السوداء لغسيل الأموال، مما يعزل البلد بالكامل ويخلق صداماً داخلياً بين المكونات اللبنانية حول مسؤولية الانهيار المالي الشامل وتأخر إعادة الإعمار الخاضع للشروط الدولية.
وتستند الإدارة الأميركية في توسيع هذه القوائم إلى ترسانة قانونية متنوعة تشمل الأوامر التنفيذية لمكافحة الإرهاب التي تتيح التجميد الفوري للأصول وحظر التعامل بالدولار، وقانون ماغنيتسكي العالمي لمكافحة الفساد الذي يُستغل سياسياً لضرب التحالفات العابرة للطوائف وعزل القوى التي تؤمن غطاءً إدارياً أو سياسياً للمقاومة، بالإضافة إلى قانون منع التمويل الدولي لحزب الله الذي يلاحق الشبكات التجارية والمؤسسات الاجتماعية والبلدية لمنع تدفق أموال المغتربين والاستثمارات.
وتلتقي هذه القوانين مع إدراك أميركي عميق لمساحات المناورة والالتفاف المالي التي قد يلجأ إليها المستهدفون، بحيث يتم تحويل هذه البدائل الملتوية إلى أداة للشلل السياسي والاستثماري، مما يحرم تلك الشخصيات من تولي أي مناصب سيادية أو رسمية في الدولة، ويفرض فيتوات صامتة في مطبخ القرار وتشكيل الحكومات وتعيين قيادات الأجهزة الحساسة، تحت قاعدة واضحة تربط المساعدات الدولية والاعتراف الخارجي بفك الارتباط السياسي.
إن القراءة الشاملة لهذا المسار، في ظل الإذعان التلقائي لمصرف لبنان المركزي وهيئة التحقيق الخاصة لحماية الأمن المالي العام، تظهر بوضوح عقم المسارات القانونية والطعون الإدارية؛ حيث تقع طلبات المراجعة والالتماسات المقدمة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية في فخ المماطلة والتعطيل الممنهج لربطها بالتقارير الاستخباراتية والسياسية الحية. وبناءً على ذلك، يتأكد أن هذه العقوبات تمثل طوقاً سياسياً واقتصادياً محكماً طويل الأمد، يهدف إلى تجفيف الروافد الحياتية واستهداف اقتصاد الصمود، كجزء من استراتيجية تطويع شاملة لإجبار لبنان على القبول بالتنازلات السياسية الكبرى والتسويات الإقليمية المفروضة.
وتفضي هذه المعطيات إلى استنتاج جوهري مفاده أن آليات الحصار الراهنة لم تعد تكتفي بالردع المالي العابر، بل باتت ترسم ملامح مواجهة هيكلية ممتدة تصيغ واشنطن خطواتها المقبلة بناءً على فرضية التدحرج التراكمي؛ إذ يُتوقع أن تعمد الإدارة الأميركية في المدى المنظور إلى تضييق الخناق عبر إصدار حزم جديدة من العقوبات تطال مفاصل حيوية في قطاع الخدمات اللوجستية وتتبع حركة تحويلات المغتربين بدقة أعقد، لتدفع بالدولة اللبنانية نحو حافة التصنيف الدولي المقيد، مستخدمة خطر الشلل الشامل كورقة تفاوضية أخيرة لإجبار القرار الرسمي على التخلي عن مرونته الرمادية وتطبيق الفصل المؤسساتي التام.
وفي المقابل، تتجه التوقعات المقابلة لبيئة متلقي العقوبات نحو مأسسة أعمق لاقتصاد النقد البديل وتطوير شبكات أمان أهلية ومحلية لامتصاص الصدمة المعيشية والإدارية، مع الرهان على تحويل هذا الإقصاء المالي إلى دافع لتمتين التماسك الداخلي والاعتماد على الذات في ملفات حيوية كإعادة الإعمار الصغرى وإسناد الهيئات البلدية. وتأسيساً على هذا المشهد الممتد، تتبلور في المدى المنظور معادلة “عض أصابع” استراتيجية، تُختبر فيها قدرة أدوات الخنق الدولية على كسر الإرادات السياسية في مقابل قدرة البيئات المحلية على ابتكار آليات صمود موازية تمنع السقوط وتفرض شروطها في أي تسوية تاريخية قادمة.
وتشريحاً لهذا الاستعصاء المتبادل، فإن الشق الأول المتعلق بـ “أدوات الخنق الدولية” يمثل جهداً منظماً من واشنطن وحلفائها يسعى إلى تخطي حدود الردع المالي التقليدي نحو إحداث حالة من “الإجهاد الاستراتيجي الكامل” لدى صانع القرار اللبناني، من خلال شل القدرات الإدارية للبلديات والمؤسسات العامة، ورفع كلفة التحالف السياسي إلى حد غير قابل للاستمرار، بحيث تصبح كلفة الصمود المعيشي والاجتماعي أغلى من ثمن الاستسلام السياسي والتنازل عن الثوابت السيادية والحدودية.
أما الشق المقابل المتمثل في “قدرة البيئات المحلية على الابتكار الموازي”، فهو يشرّح آليات الدفاع الاستباقية والمضادة التي تطورها البيئة المستهدفة وخاصة بيئتها الحاضنة؛ حيث يتحول إغلاق الأبواب النظامية للمصارف والتحويلات الشرعية إلى دافع لمأسسة “اقتصاد الكاش الكامل” عبر شبكات صرافة رديفة، وتفعيل عقبة التكافل والتضامن الأهلي والجمعيات المعيشية والصحية لامتصاص مفاعيل العزل، فضلاً عن الاعتماد على المبادرات المحلية الذاتية في إدارة البنى التحتية وإعادة الإعمار جغرافياً دون انتظار تمويل الدولة أو المساعدات الدولية المشروطة، وهو ما يحقق الغاية المباشرة المتمثلة في “منع السقوط” وحفظ حد مقبول من التماسك البنيوي للمجتمع يحول دون حدوث فوضى داخلية تفرض الانقلاب على الخيارات السياسية.
إن مآل هذه المواجهة الوجودية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنقطة التوازن بين عامل الوقت المتاح لكل طرف؛ فالمخطط الدولي يراهن على المماطلة وتراكم الضغط لتجفيف المنابع والوصول بالبيئة إلى حافة الانفجار، بينما يراهن المتلقي المحلي على مرونته الاجتماعية وقدرته على تكييف البدائل للوصول بالطرف المحاصِر إلى “حدود القوة والجدوى” التي يتأكد معها عقم سلاح العقوبات المادية في تعديل التوازنات المعنوية والسياسية على الأرض.
وعند مقاربة هذا الاستعصاء من منظور المصلحة الوطنية العليا، يتضح أن الانحياز الكامل لثبات وصمود هذه البيئة الحاضنة في مواجهة آلات الحصار ليس مجرد خيار فئوي، بل هو التزام بصلابة المجتمع في وجه محاولات التفتيت الخارجية؛ غير أن هذا الصمود لا يكتمل مشروعه ولا يؤتي ثماره الاستراتيجية إلا إذا نُظر إليه من منظار “استقامة الدولة وضمان سيادتها”. إن الدولة القوية والمستقيمة هي المظلة الطبيعية والوحيدة القادرة على تبني هذا الصمود وتحويله من حالة دفاعية موضعية إلى مشروع وطني شامل، يقوم على التنسيق والحوار والتفاهم، ولا يسمح بأن يكون صمود مكون دافعاً لقهر أو إقصاء أي مكون لبناني آخر.
إن استقامة الدولة تقتضي أن تلتزم مؤسساتها الشرعية بتبني قضايا واحتياجات بيئتها الحاضنة، وخاصة تلك الطائفة والمكونات التي تحملت في الجنوب الصامد الكلفة الإنسانية الباهظة من تدمير ممنهج، وحصار جائر، وقتل مستمر، ونزوح قسري. ومن هنا، فإن الانتقال من منطق الإملاء القسري الدولي إلى منطق التفاوض الندي لن يتحقق بالانكفاء نحو اقتصاد الظل أو العزلة المؤسساتية، بل بالتمسك بكيان الدولة التي تجمع شمل مكوناتها، لتتحرك الدبلوماسية الرسمية مدعومة ببدائل الصمود الشعبي، وتدخل طاولة الصياغة الإقليمية والدولية من موقع السيادة الكاملة، بما يضمن حماية التعددية اللبنانية، وإنصاف المناطق المنكوبة في الجنوب، وإعادة الإعمار بشروط وطنية خالصة، ليكون لبنان المستقر بمؤسساته الشرعية وتفاهماته الداخلية هو من يخط السطر الأخير في تسوية تاريخية تحفظ كرامة الإنسان وتصون وحدة الكيان.


