
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: الدكتور عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث
من جديد أطل علينا الشيخ نعيم قاسم بنبرته المعهودة وبتهديدات “الكربلائية” الموجهة للحكومة ولشعبها الشريف المؤمن بلبنان الوطن السيد المستقل، وذلك بسبب قرار رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والتفاوض مع إسرائيل. وقال: إن سلاح مليشيته باق للدفاع عن لبنان، ولن ينزعه.
نقول لسماحته للمرة العاشرة:
1- الدولة اللبنانية التي سلبتموها قراراتها السيادية لمصلحة سيدكم “الولي الفقيه”، قررت وبتأييد كلّ اللبنانيين الشرفاء، ومنهم إخوة شيعة كثر، أن تكون الدولة وحدها مرجعية السلاح المؤتمن جيشنا الباسل عليه.
2- كل الحروب والعداء لها نهايات، ولا تستمر الى أبد الآبدين. انظر، يا سماحة الشيخ، الى العلاقات بين أميركا واليابان وبينهما اكثر من 200 ألف ضحية جراء قصف الأولى للأخيرة بالقنابل الذرية، هما حلفاء اليوم. والتاريخ الذي نقرأه بتعقل وعلم، علمنا ان السلام هو نهاية الحروب، بالرغم من التباينات في السياسة والمصالح.
وانظر الى سورية ووصول أحمد الشرع الى السلطة بقرار أميركي، وما كان عليه قبل ذلك. وانظر الى مشهد غزة وما آلت اليه حماس وشعب غزة بسبب طوفان غير مدروس ومتهور، وقد قبلت حماس مبادرة السلام لـ “الشيطان الأكبر”، أميركا، وها هي تستجدي “الشيطان” نفسه لإخراج عناصرها المحاصرين في انفاق غزة، وتتلقى الضربات كل يوم. لذا، فقرار الرئيس جوزيف عون في التفاوض صائب وفي محله، لأنه الوحيد الكفيل بوقف الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان. فكفى حروب الآخرين على أرضه، وقد دفع أثمانا باهظة سياسية واجتماعية واقتصادية في سبيل العروبة، والقضبة الفلسطينية، وجعله ساحة صراعات وتنافس بين هذا وذاك.
3- نحن اللبنانيين الشرفاء المؤمنين بلبنان الوطن الوحيد، ومعنا إخوتنا المنتشرين في بلاد الاغتراب الذين يدعمون لبنان من دون مِنّة، وتريدون إقصاء أصواتهم في الانتخابات المقبلة لغابات خبيثة مع حليفكم نبيه بري، نؤمن بالقيادة السياسية الحالية، وفوق كل شيء بثقافة الحياة، وليس بثقافة الاستشهاد، سوى في سبيل الوطن. كم من شباب حزبكم ضُللوا وماتوا جراء مصالحكم وتبعيتكم للولي الفقيه الذي جعلكم دمى يحركها.
الا تكفيكم الأمهات الثكالى، والدمار الذي لحق بالجنوب، أرواحا بريئة وممتلكات.
4- لقد ورطتم لبنان وأنفسكم في حرب الاسناد العبثية بأمر من وليّكم في طهران، وقبلها في حرب العام 2006، ثم الحرب في سورية منذ العام 2012، وقول المتغطرس محمد رعد في حينه عن “إعلان بعبدا” الذي وقعتم عليه لوقف تدخلكم في سورية: “بلو وشربو ميتو”، وكل ذلك من دون اذن الحكومات اللبنانية، وارادة معظم اللبنانيين.
وكذلك دمرتم علاقات لبنان بالدول العربية الشقيقة والأجنبية؛ خصوصا مع دولة الخليج العربية التي ما توقف حزبكم وأمنيه العام نصر الله على تناولها بالكلام الهجومي غير اللائق. وفي الحرب الداخلية في سورية، ادعيتم انكم تدافعون عن شيعة القصير، ثم عن مقام السيدة زينب، وكنتم تكذبون على شعبكم.
كنتم تدافعون عن مصالح ايران في الا ينقطع التواصل بينكم وبينها، عبر سورية، فيما لو سقط النظام السوري الذي قضى على كل “المستضعفين” (شعاركم في بيانكم الأول في العام 1985) من سوريين ولبنانيين الذين تدعون الدفاع عنهم كذبا.
كذلك، اجهضتم الانتفاضة اللبنانية من أجل الابقاء على النظام السوري الدموي خدمة لمصالح ايران. وقد ناشدكم شعب لبنان بالامتناع عن اسناد غزة، فضربتم بنداءاته عرض الحائط، حتى أن الامين العام السابق نصر هدد بتدمير اسرائيل بنصف ساعة، فيما كان يجهل قدرات إسرائيل الحقيقية، من سلاح وتقنيات وذكاء اصطناعي، أو يعوّل على قدرات إيران للتدخل ضد إسرائيل.
وليس أدل على ذلك سوى تفجيرات البيجرز واغتيال قادتكم. مع ذلك، لم “تعقلوا ثم تتوكلون على الله”، وزجيتم لبنان بحرب ليست بحربه.
هذا التبجح يساوي تماما ما حصل في غزة. أتعرف، يا شيخ نعيم، إن السبب في ذلك، أنكم وحماس تتلقون الأوامر من ايران للطوفان وللإسناد معا، وتدفعون الثمن معا اليوم، بينما ايران هي المستفيد لتحقيق مصالحها. كانت ايران تريد الرد على عمليات اسرائيل ضد علمائها وعسكرييها الذين اغتالتهم الدولة العدوة، وتأكيد ذراعها الطويلة عبركم كوكلاء لها؛ فدربت عناصر حماس على العملية عندها.
وكانت النتيجة ان حماس خسرت حرب الطوفان ومستقبلها، فيما خسرتم معركة الاسناد غير المتكافئة، التي تحولت الى كارثة عليكم وعلى لبنان، وفوقها أرواح بريئة وممتلكات.
5- تؤكدون شيخ نعيم انكم لن تنزعوا سلاحكم شمالي الليطاني، بعدما قضي العدو الاسرائيلي على كل وجود لكم في جنوبه، وان سلاحكم هو للدفاع عن لبنان. وتحاولون من جديد استغباء شعب لبنان بأن سلاحكم هو للدفاع عن “وطنكم”. بالله عليك، يا شيخ نعيم: كلامكم “الوطني” لا يُصرف، ولا ينطلي علينا: كيف ستدافعون عن لبنان من شمالي الليطاني، وقد فشلتم في الدفاع عنه عند الحدود مع اسرائيل؟ وكيف ستدافعون عن لبنان، ولم تثبتوا مواطنيتكم يوما.
لم يعد أحد يصدقكم، حتى غالبية بيئتكم، مهما شددتُم عصبَها المذهبي.
أخبرنا: كيف ستدافعون عن لبنان، ولم تردوا برصاصة واحدة على اعتداءاته اليومية على مواقعكم، واغتيال عناصركم، وتطالبون الدولة اتخاذ إجراءات لوقف العدوان على لبنان؟ وأن عليها التعويض عن شهدائكم واعادة بناء ما خرُّب بفضل سياستكم اللاوطنية وتهوركم.
وبالإذن من إخوتنا الشيعة المنكوبين في الجنوب والضاحية الجنوبية، ليس هناك أي عاقل يصرف دولارًا واحدًا على منطقة تتعرض يوميا للقصف. الا تسمع، شيخ نعيم، من مخبئك أصوات القصف، والأرواح التي تزهق كل بوم على مذبح مصالح ايران؟
ما فائدة سلاحكم اذا كان لا يؤدي مهمة الدفاع عن لبنان، كما تزعمون؟ سأقول لكم: إن يقاء السلاح في أيديكم في شمالي الليطاني هو لمنع قيام الدولة القوية في لبنان، والابقاء على الفلتان السياسي والعسكري فيه، فضلا عن التهريب واستباحة اقتصاده، وجعله ساحة عربدة لمصلحة ايران. وفي النهاية، ستقوم الدولة اللبنانية، شئتم أم أبيتم.
6- لا تزالون تستعملون لغة التخوين والتهديد، وتتنكرون لمواقف اللبنانيين الشرفاء الذين احتضنوا “مقاومتكم” حتى عام التحرير. بعد ذلك، أصبح أمينكم العام نصر الله يهدد بأصبعه وبكلامه، ويتوعد الشرفاء باستهدافهم، وهم كثر، قضى بعضهم اغتيالا، أو جرى شراؤهم بالمناصب والمكاسب. ور وروجتم بالقوة ثقافتكم الفارسية في مناطق سيطرتكم، وحلوتم فرضها على لبنان، وفي مؤسسات الدولة، حتى أن نصر الله اعترف بتبعته للولي الفقيه وعدم مخالفة أوامره بالقول في العام 2016: “أكلنا وشربنا ورواتبنا وصواريخنا من إيران”.
ولو كان هناك مدعي عام لبناني شجاع في حينه، أو رئيس جمهورية يدافع عن الدستور وسيادة، لكان حقق معه بتهمة التخابر مع دولة اجنبية. وقد كتبت ذلك على موقعي في فيسبوك، ولم يتجرأ يومها أحد على وضع “لايك”؛ ثم حذفته بعد يومين، لأنه تبين أني اخاطب نفسي.
لقد اضعتم على لبنان ثروات ضخمة كان في أشد الحاجة لها، عندما ضغطتم على الحكومة اللبنانية للتخلي عن ترسيم خط النفط والغاز للجيش اللبناني (الخط 29)، والقبول بترسيم إسرائيل وأميركا (الخط 23)، وذلك استجابة للتوافق بين ايران وأميركا “الشيطان الاكبر”.
وبالرغم من احتضان اللبنانيين الشرفاء من كل المناطق والطوائف لأهلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية في الاعوام 2006 و2024، جراء العدوان الإسرائيلي على لبنان، أصريتم على تحديهم باجتياح بيروت والجبل في العام 2008، وعين الرمانة في العام 2021 التي تصدى أهلها لكم ولشركتكم حركة امل.
ولم ينس أهالي بيروت إلى اليوم استعراض القوة في العام 2008، ولا في الروشة مؤخرا، ولا في المدينة الرياضية، بينما نسيتم أنتم الترحيب بهم والمعاملة الأخوية لهم. وإن صمتوا هؤلاء اللبنانيون الشرفاء، فليس ذلك خوفا منكم، ولا رهبة من سلاحكم، بل لانهم، كباقي اللبنانيين من مختلف الطوائف، أم الصبي الذين يخافون على الوطن.
إني حزين من جراء ما أصاب لبنان والمنطقة في “عهودكم” السوداء، وأترحم على أرواح إخوتنا الشيعة الذين تبهدلوا وخسروا أرواحهم وممتلكاتهم لقاء تبعية مطلقة لإيران، ثبت أنها دمرت مستقبلهم.


