جريدة الحرة بيروت
بقلم :كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
صحيح أنّ الاستحقاق النيابي كثيراً ما يُظهر قدرة لافتة على إعادة تشكيل سلوك بعض المرشحين، إلى حدّ يبدو معه أنّ الحقوق والممتلكات قد تُوضع أحياناً في خانة قابلة للتجميد أو المساومة، متى اقتضت الضرورة الانتخابية ذلك. وفي هذا الإطار، يُستعاد اسم النائب إبراهيم كنعان في ملف عقار الرويسات – الجديدة، حيثُ تفيد مصادر متنيّة بأنّ العقار الذي يملكه لا يزال موضع نزاع وتعدٍّ قائم منذ فترة، فيما توصف مقاربة كنعان بأنها هادئة إلى حدّ الصمت، رغم ما يفترض أن يتيحه موقعه النيابي من قدرة أكبر وأكثر حسماً في استعادة حقّه، طبعاً، لو توفّرت إرادة متابعة فعلية.
والمفارقة التي يلتقطها غالبية أبناء المتن لا تكمن فقط في كون عقار كنعان متعدّى عليه، إنّما في طبيعة التعاطي مع هذا الملف. فلو كان المعتدون من خصوم سياسيين آخرين، لتحوّل الملف إلى مادّة دعائية يومية، ولاستُثمرت سياسياً وإعلامياً تحت عناوين “استرداد الحقوق” و”التعدي على الاملاك”، إلا أنّ تداخل الحسابات الانتخابية فرض إيقاعاً مختلفاً، يطرح علامات استفهام واضحة حول معيار التفكير: “هل المعيار هو الحقّ نفسه، أم توازنات المرحلة وحسابات الأصوات”؟
ولأنّ كنعان بات يتعرّض لانتقادات متزايدة حول هذا الملف، عمد إلى تقديم شكوى بحق المتعدين على عقاره، غير أنّ هذه الخطوة، بحسب المتابعين، بقيت أقرب إلى إجراء شكلي يهدف إلى امتصاص النقمة، من دون أي متابعة جدّية أو مسار فعلي للحسم، حتى بات توصيف المشهد، بالنسبة لكثيرين، لا يحتاج إلى أكثر من بساطة طفل صغير قد يختصر الأمر بالقول: “إنّها تسليفة قبل الانتخابات”.
هنا الأساس. قبل أشهر من اشتداد التحضيرات لاستحقاق كان من المفترض إنعقاده في أيار 2026، وفي ظلّ المناخ السياسي الذي كان سائداً في المتن آنذاك، بدت حسابات كنعان أكثر سلاسة قبل إعادة تشكّل اللوائح، حين كان المشهد يسمح بهوامش أوسع من التنسيق والاطمئنان السياسي، لا سيّما في ظلّ التقاطع السابق مع النائب ملحم رياشي ضمن معادلة “مرقلي تمرقلك”، غير أنّ قرار عدم ترشيح رياشي لصالح الأستاذ الجامعي عماد مراد أعاد خلط الأوراق بالكامل، لينتقل المشهد من حسابات شبه مضمونة إلى سباق مفتوح لإعادة تجميع الأصوات وتأمين دعم متفرّق بدل الارتكاز إلى قاعدة انتخابية صلبة.
وفي هذا الإطار، باتت أولوية كنعان الانتخابية، وفق المصادر، تتمحور حول كيفية تعويض الأصوات التي كان يُعوّل على أن يؤمّنها له رياشي، خصوصاً في ظلّ تقديرات تشير إلى أنّ ما يقارب 95% من الأصوات المسيحيّة ستتجه لصالح الأحزاب التقليدية وبعض اللوائح المستقلة، ما يجعل أي صوت إضافي مادّة انتخابية دسمة. ومن هنا، تقول المصادر إنّ كنعان يحاول تمرير رسائل إيجابية تجاه الثنائي الشيعي في المنطقة على أمل تأمين رصيد انتخابي إضافي يُستثمر عند موعد الانتخابات.
وتعتبر المصادر المتنية نفسها أنّ النائب كنعان يتصرّف وكأنّ أصوات “الثنائي” باتت مضمونة سلفاً، فيُكثر من التنازلات والتمريرات السياسيّة على أمل حصد دعم انتخابي مستقبلي، فيما الوقائع السياسية تشير إلى عكس ذلك تماماً، واللافت أنّه، في مقابل هذه المحاولات، يخسر تدريجياً جزءاً من صورته، من دون أي ضمانة فعلية بأنّ الطرف الآخر سيمنحه ما ينتظره عند فتح صناديق الاقتراع.
وتؤكد المصادر أيضاً أنّ كنعان لعب دوراً أساسياً في محاولة تهدئة الأجواء عقب الحادثة التي وقعت في الرويسات مع كاهن رعية مار يوسف، حيث تشير المعطيات إلى وجود مساع بُذلت لتطويق الإشكال ومنع انتقاله إلى المسار القضائي، بما ينسجم مع خطاب التهدئة والتعايش. غير أنّ هذا السلوك يُقرأ، بالنسبة إلى كثيرين، كجزء من إدارة دقيقة للصورة العامة والحسابات الانتخابية، أكثر ممّا يُعبّر عن رغبة فعلية في حسم الإشكال أو فرض تطبيق القانون.
ورغم كل هذه المعطيات، لا يزال هناك من يردّد العبارة نفسها: “أكلونا الشيعة”، بينما الحقيقة أنّ بعض نواب الطائفة المارونيّة يساهمون هم أنفسهم في ذلك.


