الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ الفيدراليّة ليست مشكلة معقدّة…بل من يصرّ على تشويهها!

جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيسكارين القسيس

في الأسابيع الأخيرة عاد النقاش حول النظام الفيدرالي إلى الواجهة. اللافت ليس فقط إعادة طرح الفكرة، إنّما الطريقة التي شُوّه بها هذا النموذج عبر حجج تبدو أقرب إلى الهواجس السياسية أو سوء الفهم منه إلى التحليل العلمي.

بعض الأصوات، ومن بينها أكاديميون محسوبون على الشأن العام، يذهبون إلى حدّ تصوير الفيدرالية وكأنها مشروع “إخضاع داخلي” للأقليات داخل مناطق الأكثريات، بحيث يُقال مثلاً إن وجود مسيحيين في مناطق ذات غالبية مسلمة سيجعلهم مضطرين للعيش وفق “قواعد الطائفة الأكثر عدداً”. هذا الطرح، رغم انتشاره، لا يصمد أمام أي قراءة علميّة جودّية لبنية النظام الفدراليي، إنّما يعكس إما جهلاً بآلياته أو تعمّداً في تبسيطه بطريقة مضللة (وربّما لبيع التفاحات).

يا سادة، الفيدرالية ليست نظام محاصصة اجتماعية داخل كل منطقة، ولا هي نسخة مقنّعة من التقسيم الطائفي. هي، في التعريف الدستوري البسيط، دولة واحدة بمواطنة واحدة، تتوزع فيها الصلاحيات بين مركز اتحادي ووحدات محليّة، ضمن دستور أعلى يضمن الحقوق الأساسيّة للجميع دون استثناء وبالتالي أي محاولة لتصويرها كأداة “هيمنة محلية” أو “بعبع” للأقليات هي قلب للمعنى، لا تفسير له.

في هذا النظام تحديداً، لا وجود لفكرة أنّ المواطن يُصبح رهينة لبيئته الجغرافية أو الطائفية. فالانتقال بين المناطق حقّ طبيعي، والإقامة لا تُنتج أي تمييز في الحقوق أو الحريات. والأهم أن الدستور الفيدرالي نفسه يسمو على أي دستور محلي، ما يعني ببساطة أن لا سلطة محلية تستطيع المساس بالحريات الأساسية، لا في بعلبك ولا في جبيل ولا في الجنوب ولا أي منطقة أخرى، إذ إنّه لا يمكن لأي إدارة محلية أن تمنع ممارسة دينية، أو تفرض نمطاً اجتماعياً على فئة دون أخرى، لأن المرجعية النهائية تبقى للدستور الاتحادي لا للتوازنات المحلية.

أمّا على المستوى السياسي، فإنّ التمثيل لا يُختزل بالموقع الجغرافي الضيق، إنّما يُبنى على المواطنة ضمن الدولة ككل، ما يمنع تحويل المناطق إلى “مربعات مغلقة” أو إلى كيانات طائفية معزولة. فالمواطن يبقى جزءاً من النظام السياسي العام، لا تابعاً لسلطة محلية تتحكم به وفق انتمائه.

ومن جهة الإدارة المحليّة، فإنّ الفيدرالية على العكس تماماً مما يُشاع، توسّع هامش البلديات والسلطات المحلية، فتجعل القرار أقرب إلى المواطنين وأكثر خضوعاً للمساءلة. أي أن القبيات أو دير الأحمر أو أي بلدة أخرى تُدار فعلياً عبر مؤسسات منتخبة محلياً، لا عبر أوامر مركزية ولا عبر إملاءات سياسية بعيدة عن الواقع اليومي.

كذلك، يضمن هذا النموذج حرية اختيار قوانين الأحوال الشخصيّة، سواء عبر الانتماء الطائفي أو عبر خيار مدني، ما يخفف من احتكار السلطة المركزية لواحد من أكثر الملفات حساسيّة في لبنان. وهو ما يعزز فكرة أن اليفدرالية توسّع خياراته القانونية والمؤسساتية.

حتى على مستوى الرقابة، تُطرح أدوات مثل “Ombudsman” كآلية لحماية المواطن من تعسف الإدارات المحلية، ويعمل كـ”صمام أمان مؤسساتي” يمنع تضخم السلطة على المستوى المحلي أو المركزي على حد سواء، طبعاً لا يملك سلطة تنفيذية مباشرة، لكنّه يمتلك قوة التحقيق والضغط الإداري والعلني.

لكن جوهر النقاش أعمق من التفاصيل التقنية، إذ إنّ المشكلة الحقيقية أن جزءاً من الخطاب السياسي مازال يتعامل مع أي تغيير بنيوي وكأنه تهديد وجودي، لا كإعادة تنظيم عقلانية لدولة مأزومة، فبدلاً من أن يُناقش النموذج على أساس مؤسساته وآلياته، يتم تحويله إلى سيناريو مخيف لا علاقة له بما هو مطبق في الدول الفيدرالية حول العالم.

بربّكم، هل الفيدرالية خطيرة لهذا الحد؟ لا بل هل يمكن لنظام مركزي مثقل بالفساد والمحاصصة أن يستمر كما هو دون أن يدفع لبنان نحو مزيد من الانهيار؟ هنا فقط يبدأ النقاش الجدي، بعيداً عن الصور النمطية، وقريباً من واقع يحتاج إلى إعادة بناء لا إلى إعادة تدوير الأزمات نفسها.

https://hura7.com/?p=78217

 

الأكثر قراءة