الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ انتخابات على حافة الدولة لماذا يصبح التأجيل فعلَ إنقاذ لا خرقًا للدستور

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير

مرتا مرتا  تنشغلين بأمور كثيرة و المطلوب  واحد

حين تُجرى الانتخابات قبل أن تعود الدولة، لا تُنتج سلطة… بل تُجدِّد العجز.

في لبنان، لا نختلف على حبّ الديمقراطية، بل على معناها. وهل هي صندوق يُفتح في أي ظرف، أم فعل حرية يحتاج دولة قائمة، لا دولة تُدار على وضع الطوارئ الدائم.

في لبنان، لا تُجرى الانتخابات لأن شروطها نضجت، بل لأن أحدًا قرر أن يتصرّف كأنها نضجت. هكذا، بين حربٍ لم يُعلَن انتهاؤها، وتهجيرٍ لم يُرفع، وإعمارٍ لم تُحسم مرجعيته، يُطلب من الناس أن يتصرّفوا كمواطنين في دولة مستقرة، لا كرهائن في دولة معلّقة. ليس هذا انتظامًا دستوريًا؛ هذا إصرار على إنكار الواقع.

نحن البلد الذي لا ينتظر انتهاء الحرب كي ينتخب، بل ينتخب كي يُقنع نفسه أن الحرب انتهت. لا نعلن التعافي ثم نذهب إلى الصندوق، بل نذهب إلى الصندوق علّه يُنتج إعلانًا متأخرًا بأن التعافي حصل. انتخابات تُجرى لا لقياس الإرادة الحرة، بل لقياس قدرة الناس على التكيّف مع اللاطبيعي، وعلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والركام إلى خلفية مشهد.

التهكّم هنا ليس في النوايا، بل في المنطق. كيف يمكن الحديث عن مساواة انتخابية فيما القرى غير متاحة، والعودة مشروطة، والحركة مقيدة، والناس موزّعون بين تهجير داخلي وانتشار خارجي؟ أي تمثيلٍ هذا الذي يُنتج نائبًا عن دائرةٍ لا يعيش نصف ناخبيها شروطها، ولا يتحمّل نتائج قراراته؟ الصندوق واحد، لكن شروط الحرية ليست واحدة، وهذا وحده كافٍ لإسقاط وهم “الانتظام”.

ثم هناك المفارقة الأكبر: سلاح يملك قرار الحرب، ودولة يُطلب منها أن تُدير الانتخابات وكأن القرار بيدها. جهة تُقرّر الاشتعال، ودولة تُطالَب بتنظيم الاقتراع، ثم تتحمّل لاحقًا كلفة الفقر والإعمار. هذه ليست دولة؛ هذه إدارة أضرار. وليست انتخابات؛ هذا إجراء يُستعمل لتجميل اختلال بنيوي.

الجنوب يكشف كل شيء، لا لأن الحرب مرّت من هناك فقط، بل لأن الإعمار—حين لا يكون برنامج دولة—يتحوّل إلى مفتاح سيطرة. من يُمسك بالإعمار يُمسك بالناس: من يعود أولًا، من يُرمّم أولًا، من يحصل على التعويض أولًا. وحين تُجرى الانتخابات قبل حسم مرجعية الإعمار، يصبح الاقتراع نفسه جزءًا من معادلة النفوذ: تثبيت إدارات محلية، ضبط الحياة اليومية، وإعادة إنتاج السيطرة باسم “الخدمة”. هكذا تُدار السياسة في زمن الخوف: لا تمثيل، بل إدارة بشر.

ولكي تكتمل الصورة، يُقال لنا إن “القانون يُحترم”. أي قانون؟ القانون الذي يُعلَّق حيث يُربك التوازنات، ويُفعَّل حيث يخدمها. قانون يقول شيئًا في نصّه، ويُطبّق نقيضه في الواقع. هكذا نُقنع أنفسنا أننا دولة قانون، فيما نحن دولة استثناء دائم، نُدير الاستثناء بلغة القاعدة.

ليس المطلوب زيادة عدد النواب، ولا اختراع تمثيل فوق تمثيل. المطلوب أبسط من ذلك وأصعب: ربط التمثيل بالمحاسبة. النائب ليس رقمًا في مجلس، بل علاقة سياسية حيّة بين من يقرّر ومن يتحمّل نتائج القرار. حين يُنتخب نائب بأصوات لا تعيش شروط دائرته ولا تتأثر مباشرة بقراراته، تُكسر هذه العلاقة، ويتحوّل البرلمان إلى مساحة ترجيح عددي، لا سلطة تمثيل.

وفي الخلفية، تقف العصابة المالية بكل وقاحتها. بنوك نهبت الودائع، ثم جلست تُعطي دروسًا في “الاستقرار”. مصرفيون حوّلوا المال العام إلى ملكية خاصة، ثم صاروا حرّاس “النظام”. هؤلاء لا يخافون من الانتخابات ولا من تأجيلها؛ يخافون فقط من دولة تعود لتسأل: أين المال؟ ومن سرقه؟ ومتى يُحاسَب؟ لذلك، كل انتخابات بلا عدالة مالية هي فرصة إضافية لدفن الجريمة تحت ورقة اقتراع.

أما السلاح الذي يضع نفسه فوق الدولة، فلا يحتاج إلى كثير شرح. حين تُفرَض الحرب من خارج القرار الوطني، وحين تُدار السلميات والتصعيدات بمنطق القداسة لا المساءلة، تصبح الدولة تفصيلًا. وعندما يُصرّ هذا السلاح على أن تُجرى الانتخابات تحت التهجير، فهو لا يدافع عن الديمقراطية، بل عن استمرارية السيطرة. الديمقراطية لا تُدار من فوهة البندقية، حتى لو ارتدت بدلة قانونية.

قد يقول قائل: لكن العالم يريد انتخابات. صحيح. العالم يريد صورة. يريد موعدًا، وصناديق، وتقارير. التصفيق لا يكلّف شيئًا. لكن أحدًا لن يدفع فاتورة الجنوب لمجرد التصفيق، ولن يعيد بناء دولة لأن صندوقًا فُتح في وقتٍ غير مناسب. الاحتفاء الشكلي لا يبني بيتًا، ولا يفتح طريقًا، ولا يردّ كرامة. الدستور ليس زينة تُعلّق على مشهد الانهيار؛ الدستور قدرة فعلية على الحكم.

من هنا، يصبح تأجيل الانتخابات لسنتين طرحًا سياسيًا عقلانيًا، لا هروبًا ولا تعطيلًا. سنتان ليستا فراغًا، بل مهلة تأسيس: لإقفال الحرب رسميًا، لرفع التهجير، لوضع إطار وطني شفاف للإعمار، لتصويب القانون الانتخابي بما يعيد تكافؤ الشروط، ولإطلاق مسار محاسبة مالية حقيقية. سنتان للعمل، لا للانتظار. سنتان تُستثمران في الدولة، لا في حملات دعائية.

هذا الطرح لا يستهدف حزبًا، ولا يبرّئ آخر، ولا يحمّل شخصًا مسؤولية فردية. هو دعوة جامعة لكل من يقول إنه يريد دولة: تراجعوا خطوة إلى الوراء كي لا يسقط البلد خطوة إلى الهاوية. لا أحد يُطلب منه التنازل عن قناعاته، بل تأجيل معاركه، لأن المعركة الآن ليست على المقاعد، بل على معنى المقعد نفسه.

السؤال الحقيقي ليس: هل نؤجّل الانتخابات؟
السؤال: هل نملك الشجاعة لنمنع الديمقراطية من أن تُستعمل ضد نفسها؟

في بلدٍ لم يُقفل حربه، ولم يُعد ناسه إلى بيوتهم، ولم يُسمِّ مرجعية واحدة لإعماره، تصبح الانتخابات المتعجّلة اختبار طاعة لا ممارسة حرية. وإذا استُخدم الصندوق لتكريس ما هو خارج الدولة، نكون قد أنجزنا أخطر ما يمكن:
سرقنا الديمقراطية باسمها، ودفنّا الدولة تحت ورقة اقتراع.

https://hura7.com/?p=74114

الأكثر قراءة