
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير
منذ خريف 2019، لم يعد لبنان يعيش أزمة مالية عادية، بل دخل في انهيار بنيوي أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. انهارت العملة، تبخرت الودائع، تقلّصت رواتب القطاع العام إلى ما يشبه الإعانات الرمزية، وتحوّلت الدولة من كيان ضامن للاستقرار إلى إدارة أزمة دائمة. خلال هذه السنوات، لم تكن المشكلة في الأرقام وحدها، بل في انكسار الثقة: لم يعد المواطن يثق بعملة بلده، ولا بمصارفه، ولا بقدرة السلطة على إنتاج حلول حقيقية. ومع الوقت، تآكلت مؤسسات الدولة نفسها، وبدأت فكرة الدولة تتراجع لصالح شبكات بديلة من الدعم والولاء والحماية.
في مثل هذه البيئات، تتغيّر وظيفة القرار الاقتصادي. لا يعود أداة إدارة عقلانية للمالية العامة، بل يتحول إلى جزء من توازنات سياسية هشة. ولهذا تحديدًا، شهد لبنان تاريخيًا نمطًا متكررًا: كلما اقتربت الاستحقاقات الكبرى، عادت الدولة إلى لغة الرواتب والتقديمات. زيادة الأجور في بلد مستقر قد تكون إجراءً اجتماعياً مشروعاً، لكنها في الأنظمة المأزومة غالبًا ما تتحول إلى أداة سياسية تستخدمها السلطة لشراء الوقت أو تخفيف الاحتقان أو إعادة ترميم شعبيتها المتآكلة. ليست المسألة دائماً رشوة بالمعنى الفج، لكنها في كثير من الأحيان محاولة لتدوير الزوايا داخل نظام عاجز عن تقديم إصلاحات عميقة.
القرار الأخير لا يمكن فصله عن هذا السياق. فلبنان يقف على عتبة عام انتخابي، أو كان يفترض أن يكون كذلك. وفي مثل هذه اللحظات، ترتفع حساسية السلطة تجاه الشارع، خصوصاً في ظل ذاكرة انتفاضة لم تُقفل بالكامل، وانهيار اجتماعي لم تُعالَج أسبابه. من هنا تبدو زيادات الرواتب أقرب إلى محاولة امتصاص ضغط متراكم، أكثر منها جزءًا من رؤية مالية متماسكة. فالسلطة التي عجزت لسنوات عن إعادة هيكلة المصارف أو استعادة الأموال المنهوبة أو بناء عقد اجتماعي جديد، تجد نفسها أمام أدوات محدودة: زيادات موضعية، ضرائب سريعة، وإدارة توتر دائم.
لكن هذا البعد الانتخابي نفسه يعيش حالة من الغموض. فبين مناخ أمني إقليمي متوتر، وحدود جنوبية مفتوحة على احتمالات التصعيد، وانقسام داخلي عميق حول مستقبل الدولة وسلاحها ودورها، لم يعد إجراء الانتخابات مسألة تقنية بحتة. لبنان عرف في تاريخه الحديث كيف تتحول الاستحقاقات الدستورية إلى رهائن للظروف السياسية، وكيف يمكن أن يُعاد تفسير المواعيد الدستورية تحت عنوان الاستقرار أو الضرورة. ولذلك، فإن الحديث عن انتخابات محسومة في موعدها يبدو أقرب إلى فرضية منها إلى يقين.
وسط هذا المشهد، لا يمكن إنكار أن القرار نفسه يحمل بعدًا اضطراريًا. فالدولة التي انهارت عملتها وتفككت إدارتها لا تملك ترف القرارات المثالية. وكان أمام الحكومة خياران أحلاهما مرّ: إما ترك رواتب القطاع العام تنهار بالكامل، بما يعني تفكك ما تبقى من الإدارة والجيش والمؤسسات، أو اتخاذ قرار سريع يوقف النزف ولو بكلفة اجتماعية عالية. في هذا المعنى، يمكن قراءة الزيادة كإجراء إنقاذي مؤقت، لا كحل اقتصادي دائم. فالدولة التي تفقد قدرتها على دفع رواتب موظفيها تفقد، عمليًا، قدرتها على البقاء.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في القرار، بل في الطريق الذي سلكه. لأن أي سياسة مالية لا تستند إلى مسار إصلاحي واضح تتحول تلقائيًا إلى إجراء ترقيعي. وكان يمكن للسلطة، نظريًا على الأقل، أن تعكس ترتيب الأولويات: تطهير الإدارة، فتح ملفات الهدر الكبرى، استعادة جزء من الأموال المنهوبة، إعادة بناء الحد الأدنى من العدالة الضريبية. فالمجتمعات قد تتحمل التقشف، لكنها لا تتحمل الظلم. والضريبة تصبح قابلة للنقاش حين تسبقها المحاسبة، لا حين تحلّ مكانها.
ولهذا تحديدًا بدا القرار كأنه لم ينجح في كسب أحد. الموظفون رأوه محدود الأثر في ظل تضخم يلتهم أي زيادة، والمواطنون قرأوه كعبء إضافي عبر الضرائب غير المباشرة، والقوى السياسية تعاملت معه بازدواجية مألوفة: مشاركة في السلطة وتنصّل في الخطاب. وهكذا تحوّل إجراء كان يفترض أن يهدّئ الشارع إلى عامل توتير إضافي، لأنه صدر في بيئة فقدت فيها الدولة رصيدها المعنوي قبل أن تفقد توازنها المالي.
غير أن النقاش، إذا بقي محصورًا في زاوية واحدة، يظلم الواقع اللبناني ويختزل الأزمة. المسألة في جوهرها ليست مسألة حسن نوايا ولا دفاعًا عن أشخاص، بل مسألة دولة. فهي ترتبط بالسياسة بمعناها العميق: بالسيادة، بالمؤسسات، وبقدرة الدولة على استعادة دورة العمل الإداري.
وفي هذا السياق، لا بد من إعطاء نواف سلام وحكومته حقهما في قراءة النيات قبل النتائج. فليس من الدقة اختزال القرار في كونه محاولة لحماية رأس السلطة أو شراء وقت سياسي. فالمعطيات تشير إلى أن المقاربة التي حكمت القرار كانت أقرب إلى قناعة بضرورات المرحلة منها إلى حسابات البقاء. قد يُصيب هذا التقدير أو يُخطئ، لكن من الصعب تجاهل أن القرار صدر في لحظة كانت فيها الدولة مهددة بتآكل إضافي في بنيتها الإدارية والاجتماعية. ومن هنا، يبدو أقرب إلى محاولة موازنة بين ضرورات الاستقرار المالي ومتطلبات الاستقرار الوطني، لا إلى مناورة سياسية ضيقة.
وهذا لا يعني تعليق النقد أو تبرئة السياسات من المساءلة، بل إعادة وضع النقاش في مكانه الصحيح: بين محاسبة القرار وفهم سياقه. لأن الفرق كبير بين سلطة تتشبث بالبقاء بأي ثمن، وسلطة قد تخطئ لكنها تتحرك انطلاقًا من تصور لما تراه مصلحة عامة.
هنا تحديدًا يظهر البعد الأخلاقي الأصعب في النقاش. ففي الإعلام، يكاد يكون قانونًا غير مكتوب أن من يدافع عن السلطة هو الخاسر سلفًا. لكن هذه القاعدة تنطبق في الدول المكتملة. أما في الدول المتصدعة، حيث تختلط الدولة بالركام، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا بكثير. فليس كل دفاع عن قرار حكومي دفاعًا عن سلطة، وليس كل نقد للسلطة فعل إنقاذ. هناك لحظات يصبح فيها السؤال الحقيقي: هل نحن أمام سلطة متغوّلة، أم أمام بقايا دولة تحاول أن لا تموت؟
في لبنان اليوم، الصورة أقرب إلى الحالة الثانية. بلد يتفكك على مهل، فيما تقف الدولة العميقة في الظل، تعيد إنتاج نفسها كلما لاح أفق إصلاحي. ومن هنا يصبح الدفاع عن فكرة الدولة، ولو بقرارات ناقصة أو مرتبكة، مختلفًا جذريًا عن الدفاع عن السلطة. فالمسألة لم تعد في تبرير الحكم، بل في منع السقوط الكامل.
ومع ذلك، لا يمكن لأي نقاش جدي أن يتجاوز أصل الأزمة: السيادة والمؤسسات. فالفقراء ليسوا فقط ضحايا التضخم أو الضرائب، بل ضحايا الدولة الضعيفة نفسها. وأكبر سياسة اجتماعية ممكنة ليست منحة، بل دولة قادرة: عملة مستقرة، مؤسسات تعمل، واقتصاد يمكن التنبؤ به.
فالسيادة ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا اقتصاديًا واجتماعيًا في آن. والدولة التي لا تحتكر قرارها لا تستطيع حماية عملتها، ولا بناء نظام عادل، ولا إطلاق دورة نمو مستقرة.
لهذا، قد يكون النقاش حول الضرائب والرواتب ضروريًا، لكنه يبقى في الهامش إذا لم يُربط بالسؤال المركزي: أي دولة يريد اللبنانيون؟
فالإنصاف في زمن الانهيار ليس ترفًا أخلاقيًا، بل جزء من الدفاع عن الدولة نفسها.


