الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ “انتفاضة 17 تشرين” كنموذج للتحول في الوعي السياسي العابر للطوائف

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تجليات الوعي الوطني والتحول الاجتماعي

تعد دراسة الظواهر الشعبية في المجتمعات ذات الانقسامات العميقة مدخلاً أساسياً لفهم آليات التغيير التي تطرأ على القواعد الجماهيرية حين تقرر الخروج من أطر الانتماءات الضيقة إلى رحاب الهوية الجامعة، وفي هذا السياق، تمثل اللحظة التاريخية التي شهدها لبنان في خريف عام ألفين وتسعة عشر محطة مفصلية لم تكن مجرد رد فعل على أزمات معيشية عابرة، بل كانت تعبيراً عن نضج في الإدراك العام تجاوز الحواجز التقليدية التي طالما حكمت المسار العام، إن القراءة المتأنية لهذه الحالة تكشف عن رغبة جماعية في استعادة الفضاء العام وتطهيره من التجاذبات التي أعاقت لسنوات طويلاً قيام مواطنة حقيقية تقوم على الحقوق والواجبات المتساوية، حيث برز جيل جديد من الشباب لم يعد يقتنع بالضمانات التي تقدمها المنظومات الجزئية، بل بات يطالب بضمانة الدولة الشاملة التي توفر العدالة والرفاه للجميع دون استثناء، وهذا التحول في المفاهيم لم يكن وليد الصدفة، بل هو تراكم لسنوات من الإحباط المؤسساتي الذي ولّد شعوراً بضرورة الالتفاف حول مشروع وطني يتسم بالنزاهة والشفافية.

إن الانعطاف الذي حدث في السلوك الجماهيري عكس تراجعاً في سطوة الخطاب الذي يعتمد على استحضار الهواجس المتبادلة، واستبداله بلغة تلامس الهموم اليومية وتؤكد على وحدة المصير بين أبناء الوطن الواحد، فالحركات الاحتجاجية هنا لم تعد مجرد تجمعات تطلب تحسينات مادية، بل تحولت إلى ورشة فكرية كبرى ناقشت أسس العقد الاجتماعي وطالبت بإعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أسس حديثة، إن هذا الاندفاع العفوي الذي غطى مساحات جغرافية واسعة كسر نمطية المناطق المغلقة، وأثبت أن التطلعات الإنسانية نحو الكرامة والحرية هي لغة عالمية تتجاوز أي تقسيمات مفتعلة، وهنا تبرز أهمية تعزيز هذا الوعي من خلال مأسسة المطالب وتحويلها إلى برامج عمل وطنية قادرة على الصمود أمام محاولات الالتفاف أو الإفراغ من المضمون، فالرهان اليوم يكمن في كيفية الحفاظ على هذا الزخم الفكري وتحويله إلى طاقة بناءة تساهم في تدعيم ركائز الدولة وتطوير إداراتها لتكون على مستوى طموحات مواطنيها.

إن القوة الكامنة في هذه التحولات تكمن في قدرتها على خلق رأي عام عابر للمصالح الشخصية والفئوية، يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار، وهذا يتطلب جهداً مستمرًا في التربية الوطنية والسياسية لضمان عدم الانزلاق مجدداً نحو الولاءات التي تضعف هيبة السلطة المركزية، إن بناء الوعي يتطلب أيضاً انفتاحاً على الحوار الهادئ الذي يحترم التنوع ويراه مصدر غنى لا سبب نزاع، حيث إن الهدف الأسمى يبقى دائماً هو الوصول إلى صيغة حكم تضمن الاستقرار الدائم والازدهار الاقتصادي من خلال تفعيل الرقابة الشعبية والمحاسبة القانونية، إن ما جرى من حراك جماهيري واسع قدم دروساً في كيفية التنسيق والتفاهم بين مختلف الشرائح الاجتماعية، وأظهر أن القواسم المشتركة بين الناس هي أكثر بكثير مما يحاول البعض تصويره، وهذه الحقيقة هي الحجر الأساس الذي يجب أن يبنى عليه أي إصلاح مستقبلي، فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأنه جزء لا يتجزأ من القرار الوطني، وأن صوته مسموع ومحترم في أروقة المؤسسات الدستورية.

لقد كشفت الأحداث أن الشعوب قادرة على ابتكار أساليب سلمية وحضارية للمطالبة بالتغيير، بعيداً عن منطق الصدام أو التحدي، مما يعكس رغبة صادقة في الحفاظ على السلم الأهلي بالتوازي مع السعي نحو حياة أفضل، وهذا يتطلب من النخب الفكرية والسياسية أن ترتقي إلى مستوى هذه المسؤولية التاريخية، وأن تقدم حلولاً عملية تلامس جوهر الأزمات بدلاً من الاكتفاء بالمعالجات السطحية، إن تعزيز السيادة الوطنية يبدأ من داخل الإنسان، من خلال إيمانه بأن الدولة هي الحضن الآمن والوحيد، وأن أي بدائل أخرى هي في الحقيقة انتقاص من قدرته على العيش في مجتمع متقدم، ومن هنا تأتي أهمية الربط بين الوعي السياسي والعمل المؤسسي المنظم، لضمان استمرارية النهوض وتفادي العثرات التي قد تواجه مسيرة التقدم، إن التطلع نحو المستقبل يتطلب قراءة نقدية وشجاعة للتجارب السابقة، ليس من أجل البكاء على الأطلال، بل لاستخلاص العبر ووضع مداميك صلبة لوطن يتسع للجميع ويفخر به أبناؤه.

إن التحول الذي شهدناه في المفاهيم الجماهيرية يتطلب أيضاً مواكبة تشريعية وإدارية تضمن ترجمة هذه التطلعات إلى واقع ملموس، فالمطالبة بدولة القانون تستدعي استقلالاً تاماً للمنظومة القضائية، وتفعيلاً لأجهزة الرقابة لتكون هي الساهرة على حسن سير المرفق العام، وهذا لا يمكن أن يتم دون وجود إرادة سياسية صلبة تضع مصلحة الوطن كأولوية مطلقة، إن الروح الوطنية التي تجلت في الساحات هي الوقود المحرك لأي عملية إصلاحية حقيقية، وهي الضمانة ضد أي محاولات لتقزيم دور الدولة أو تهميش مؤسساتها، وبناء على ذلك، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع للمساهمة في هذا البناء، كل من موقعه، لضمان أن تظل شعلة الأمل متقدة في قلوب الشباب الذين هم عماد الغد وبناة النهضة، إن الإبداع في طرح الأفكار والحلول يجب أن يواكبه التزام بالقيم الأخلاقية والوطنية التي ترفض الفساد والمحسوبية، وتعلى من شأن الكفاءة والجدارة كمعيار وحيد للارتقاء في الوظيفة العامة، وهذا هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته، وخلق بيئة جاذبة للاستقرار والنمو.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل لبنان مرهون بقدرة أبنائه على تحويل هذه الانعطافات التاريخية إلى مدرسة في التنسيق والتفاهم الوطني، بعيداً عن لغة الاتهام أو الإقصاء، فالحوار الصادق والشفاف هو المفتاح لحل أعقد الملفات، وهو السبيل لبناء دولة قوية مهابة الجانب، تحمي حدودها وتصون كرامة إنسانها، إن هذه التجربة الغنية في الوعي الجماعي ستبقى مرجعاً لكل من يسعى لفهم كيفية صياغة الإرادة الوطنية في أصعب الظروف، وهي تؤكد أن الأمل في التغيير يظل دائماً ممكناً طالما أن هناك إرادات صلبة وعقولاً منفتحة تعمل من أجل الخير العام، إن الحلول المستدامة لمستقبل لبنان تنبع من تبني نهج وطني شامل يركز أولاً على ترسيخ مفهوم المواطنة الحقة التي تلغي التمييز وتكرس المساواة أمام القانون، وثانياً على إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ليكون منتجاً ومستنداً إلى مبادئ العدالة الاجتماعية، وثالثاً على حماية السيادة والاستقلال عبر تعزيز الوحدة الداخلية والتمسك بالثوابت الوطنية التي لا تقبل المساومة، وبذلك نضمن أن يكون لبنان دائماً منارة للفكر والحرية، ووطناً يستحقه شعبه العظيم الذي لم يتوانَ يوماً عن الدفاع عن وجوده وهويته، إن العزم على المضي قدماً في هذا المسار هو الضمانة الوحيدة للعبور نحو غد مشرق يسوده الأمان والرخاء لكل اللبنانيين، حيث تصبح الدولة هي الملاذ الأخير والوحيد الذي يفيء إليه الجميع في السراء والضراء، إن هذا المقال ليس مجرد سرد لوقائع، بل هو دعوة لتعميق الفكر السياسي الرصين الذي يرى في الحركات الشعبية فرصة لتصحيح المسارات المعوجة، فالتاريخ لا يصنعه إلا الذين يجرؤون على الحلم بوطن أفضل، والذين يدركون أن بناء الدولة هو عملية تراكمية تتطلب الصدق مع النفس والولاء المطلق للأرض، ليبقى لبنان دائماً نموذجاً فريداً في التآخي والبناء المؤسساتي المنيع.

https://hura7.com/?p=74396

 

الأكثر قراءة