الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ انحسار مرافئ الوساطة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

يكشف التأمل في فلسفة صعود الدول وسقوطها عن نمط تاريخي متكرر يصيب الكيانات التي ارتضت لنفسها دور الوسيط في دورة الحضارة. إن المقارنة بين مدينة البندقية في أوج ازدهارها خلال القرن الخامس عشر وبين الواقع اللبناني المعاصر، ليست مجرد استحضار لتشابهات عابرة، بل هي غوص في صيرورة الانهيار التي تضرب الدول حين تفقد السيطرة على ممرات القوة والتبادل. فكما كان اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح إيذاناً بانحسار شمس البندقية كمركز تجاري عالمي، فإن تحول موازين القوى نحو الفضاءات السيبرانية وسلاسل الإمداد الجديدة يضع بيروت اليوم أمام مواجهة وجودية مع فكرة “الوساطة” التي قامت عليها هويتها السياسية والاقتصادية. إننا أمام جمهورية القلق التي تعيش على وقع تحولات جيو-سياسية لا تملك مفاتيحها، وتجد نفسها فجأة على هامش التاريخ بعد أن كانت قلبه النابض.

لقد قامت البندقية قديماً على عبقرية الربط بين الشرق والغرب، محولةً جغرافيتها إلى جسر لا غنى عنه، تماماً كما فعل لبنان حين قدم نفسه كصلة وصل ثقافية ومالية وتربوية في المنطقة. لكن الأزمة البنيوية تكمن في أن “دولة الوسيط” تظل رهينة نواميس خارجية؛ فهي تزدهر بازدهار المحاور التي تربط بينها، وتنهار بمجرد أن يجد القوي طريقاً بديلاً لا يمر عبر مرافئها. إن الخلل الاستراتيجي في نموذج “المدينة-الدولة” الوسيطة يكمن في غياب قاعدة إنتاجية صلبة تحميها من تقلبات الأمم الكبرى. وعندما تبدأ مراكز الثقل في العالم بالاستغناء عن الوكلاء، تكتشف هذه الجمهوريات أن براعتها في إدارة المصالح البينية لم تكن سوى استدانة من زمن الآخرين، وأن الانكفاء عن دور الوساطة يعني عملياً الانزلاق نحو الفناء الحضاري ما لم يتم اجتراح وظيفة وجودية جديدة نابعة من عمق الحاجة الذاتية لا من رغبات المحاور.

إن قراءة التاريخ المقارن تعلمنا أن الصمود في وجه الانهيار لا يتحقق بترميم الأدوار القديمة، بل بقطيعة معرفية مع فكرة “الخدمة” كمرتكز للدولة. البندقية لم تسقط عسكرياً فحسب، بل سقطت لأنها فقدت “وظيفتها” في النظام العالمي الجديد آنذاك. وبالمثل، فإن الاكتفاء بكوننا “مطبعة الشرق” أو “مصرفه” غدا رهاناً خاسراً في ظل وجود بدائل منافسة تمتلك أدوات العصر. إن الخروج من حالة القلق يفرض الانتقال إلى مفهوم “الدولة المستقرة” التي تمتلك مقومات بقائها في أرضها وعقول أبنائها. هذا يعني تحويل الاقتصاد من نمط ريعي يعتاش على حركة الآخرين إلى نمط إنتاجي جذري، يُعيد الاعتبار للأرض كمصدر للسيادة وللصناعة كحائط صد في وجه الهزات الارتدادية للعولمة، بعيداً عن وهم “الدور الجسر” الذي يجعلنا عرضة للتفكك عند كل منعطف تاريخي.

إن الدرس الأبلغ الذي تقدمه فينيسيا لبيروت هو أن الجغرافيا ليست قدراً ثابتاً، بل هي مساحة تتغير قيمتها بتغير موازين القوة. والحل لا يكمن في استجداء عودة القوافل لتعبر من ديارنا، بل في تحويل الداخل اللبناني إلى بيئة قادرة على توليد طاقتها السيادية من رحم أزماتها عبر تآزر وطني حقيقي. إن السيادة الحقيقية تقتضي تحرير العقل السياسي من الارتهان للخارج، والعمل على بناء دولة تمتلك اكتفاءها الذاتي في القطاعات الحيوية، وتستند إلى منظومة قيمية صلبة لا تهتز بتغير طرق التجارة. إن البقاء في مجرى التاريخ يتطلب شجاعة الاعتراف بأن عصر الوساطة التقليدية قد ولى، وأن بناء المستقبل يمر حتماً عبر العودة إلى الذات والبحث عن مواطن القوة الكامنة في الإنسان والأرض، ليكون الوطن فاعلاً مستقلاً يصنع قدره بيده، لا صدىً لقرارات تُتخذ في عواصم ومرافئ بعيدة.

https://hura7.com/?p=73698

الأكثر قراءة