جريدة الحرة بيروت
بقلم :كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
بائع عصير، تحوّل فجأة إلى “عميد عراقي”، وتمكّن بخداع يثير الريبة والاشمئزاز من التسلّل إلى أروقة الأجهزة الأمنية، والتقرّب من مسؤولين رفيعي المستوى فيها. وبعدما تبيّن أنّ المنتحل التقى مدير أمن الدولة، اللواء إدغار لاوندوس، بدأت بعض الجهات بترويج روايات تزعم أنّ “العميد العراقي نفسه، اجتمع أيضاً بالمدير العام للأمن العام، حسن شقير. غير أنّ هذه الرواية تفتقر إلى الحدّ الأدنى من المصداقيّة، لأنّ الجميع يعلم طبيعة العلاقة التي تربط شقير بالدولة العراقية، ودوره المعروف في إدارة قنوات التواصل بين بيروت وبغداد، ما يجعل من البديهي أنّ أيّ شخصية عراقية مشبوهة كانت ستُكشف فوراً أمامه لا أن تمرّ عليه مرور الكرام.
لكن، بعيداً من محاولات التغطية والتبرير، تبقى الأسئلة التي تدور اليوم في أذهان اللبنانيين أكثر خطورة من الحادثة نفسها:
1- كيف لشخص ينتحل صفة “مسؤول أمني” أن يتنقّل بكل هذه السهولة والترف؟ ومن أين لبائع عصير سيارات بمواكبة ومرافقين ومظاهر نفوذ توحي بأنّه صاحب موقع رسمي؟ ومن الجهة التي سهّلت له هذا المشهد؟
2- كيف يمكن لرؤساء أجهزة أمنية وضبّاط أن يفتحوا أبوابهم لأيّ طارئ يحمل صفة مزعومة، من دون الحدّ الأدنى من التدقيق والتحقق؟ وهل وصلت المؤسسات الأمنية إلى هذا القدر من الهشاشة حتى بات الانتحال كافياً لاختراقها؟
3- هل من المستبعد أن يكون هذا المنتحل جزءاً من شبكة مرتبطة بالحرس الشعبي العراقي، ومن أولئك الذين مُنحوا جوازات لبنانية مزوّرة؟
وما يثير الانتباه أكثر، أنّ الملف ما إن وُضع بعهدة مخابرات الجيش تحديداً، حتى بدأت احتمالات الوصول إلى الحقيقة تبدو أكثر جدّية، في إشارة واضحة إلى أنّ القضية دخلت مرحلة مختلفة من المتابعة والتدقيق.
وإذا كان نائب مدير أمن الدولة، مرشد سليمان، قد رفض استقباله منذ البداية، فالسؤال البديهي: لماذا لم يُبلّغ هذا التحذير إلى إدغار لاوندوس؟ ولماذا تُركت الأبواب مشرّعة أمام شخص تحوم حوله كل هذه الشبهات؟
الأسئلة كثيرة، لكن الثابت الوحيد أنّ هذه الفضيحة كشفت كمّاً هائلاً من الملفات التي جرى تركيبها وتلفيقها بحق شخصيات لبنانية لا علاقة لها بما نُسب إليها، فقط لأنّ بعض الأجهزة تحوّلت إلى أدوات في خدمة نفوذ خفيّ. وما جرى دلي على أنّ “الدولة العميقة” التي نخرت المؤسسات تحتاج إلى تفكيك كامل، لا إلى ترقيع.


