الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ برّي يُريد “السلام”…ولن يطوي صفحته السياسيّة بالاستسلام

جريدة الحرة بيروت

بقلم كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

يذهب بعض المحللين السياسيين إلى تصوير رئيس مجلس النواب نبيه برّي على أنّه بعيد عن نبض الواقع، أو أنّه يقف في موقع متواطئ مع “حزب الله”. غير أنّ هذا الطرح، على ما فيه من حدّة، يختزل مشهداً بالغ التعقيد، ويتجاهل سؤالاً أكثر عمقاً وإنصافاً فمن يستطيع اليوم أن يتحمّل عبء هذا الموقع، في ظلّ ظروف استثنائيّة يعيشه لبنان، وواقع مأزوم تمرّ به الطائفة الشيعيّة تحديداً، حيثُ التهجير القسري، وضبابيّة المصير، وغياب أي ضمانات حقيقيّة لعودة آمنة وكريمة إلى القرى والمنازل؟

إنّ التمعّن في مواقف الرئيس برّي الأخيرة يُظهر مقاربة مختلفة عمّا يُروّج له. فهو، في جوهر سياساته، لا يبدو متشدّداً بقدر ما هو حريص على تجنّب الانزلاق إلى المجهول، بل إنّ اصراره على خيار الاستقرار والسلام قد يكون أكثر وضوحاً ممّا يُنسب إلى سائر أركان السلطة، وفي مقدّمهم رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام. فبحكم خبرته الطويلة وحنكته وقراءته الدقيقة للتوازنات الداخليّة والإقليميّة، يدرك أنّ أي تسوية لا يمكن أن تُكتب لها الحياة ما لم تُبن على قاعدة إنصاف بيئته أولاً، وضمان الحدّ الأدنى من الكرامة والأمان لأبنائها.

ومن هذا المنطلق، لا يُعارض الانخراط في مسارات تفاوضيّة قد تفضي إلى تهدئة أو حتى إلى سلام مع إسرائيل، بما في ذلك إمكان القبول بتمثيل شخصيّة شيعيّة ضمن أيّ وفد تفاوضي، شرط أن تقترن هذه التسويات بضمان عودة النازحين إلى ديارهم عودةً كريمة وآمنة، وأن تتوقّف الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة على الجنوب، والتي تُعدّ في نظره اعتداءً مباشراً على السيادة قبل أن تكون تهديداً لفئة بعينها أو ربّما تعرّض لتهديد أمني ما دفعه إلى التريّث في الانضمام إلى الوفد المفاوض، في ظلّ رهان حارة حريك على صمود الدولة الإسلاميّة التي قد تُحسّن شروط الطائفة بعد تسليم السلاح. غير أنّ المعطيات القائمة، في ظلّ اختلال موازين القوّة، لا تترك مجالاً واسعاً للمناورة، إذ في حال حُسمت النتائج لصالح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو احتمال قيد التنفيذ، فلن يكون أمام الأطراف المعنيّة سوى التعامل مع الوقائع كما هي، والقبول بما تفرضه المعادلات القائمة، وهنا تكون خسارة الرهان قد تحقّقت بالفعل.

ولعلّ التحوّل الأبرز في موقع برّي يتمثّل في كونه لم يعد مجرّد “الأخ الأكبر” ضمن بيئته السياسيّة، بقدر ما بات يُنظر إليه كآخر مرجعيّة، أو كـ”أب سياسي” يحمل على عاتقه مسؤوليّة حماية التوازنات الدقيقة، وفي الوقت نفسه صون الاستقرار الوطني العام. فإضعاف هذه الطائفة، في ظرف إقليمي محتدم، قد يُفضي إلى اختلالات داخليّة عميقة، تفتح الباب أمام توترات أمنيّة واجتماعيّة لا تخدم أيّ مكوّن لبناني.

ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بوضوح بين الطائفة الشيعيّة كنسيج اجتماعي ووطني أصيل، وبين “حزب الله” كتنظيم عسكري له امتداداته وحساباته الإقليميّة. فاختزال الطائفة بالحزب يظلمها ويُعيق أيضاً أي محاولة لبناء مقاربة وطنيّة متوازنة تعالج الأزمة من جذورها.

أمّا ما يُشاع حول تعدّد الأجنحة داخل ” الحزب” فهو، في تقدير العديد من المراقبين، لا يعكس حقيقة بنيوية بقدر ما يعكس قراءات إعلاميّة أو سياسيّة. إذ أنّ قراره الاستراتيجي يبقى، في نهاية المطاف، مرتبطاً بالجمهوريّة الاسلاميّة إيران، وعلى هذا الأساس، لا يخوض الرئيس برّي مفاوضاته مع الحزب بوصفه طرفاً مستقلاً فحسب، بل ينخرط، بصورة غير مباشرة، في مسار أوسع يتصل بهذه المرجعيات، عبر قنوات ووسطاء، ما يجعل أي تسوية نهائية رهينة التفاهمات الكبرى التي تتجاوز الإطار اللبناني الضيّق.

غير أنّ أخطر ما في المرحلة الراهنة هو عامل الوقت. فاستمرار حالة النزوح، وتصاعد التوترات، وتراكم الاحتقان الداخلي، كلّها عناصر تنذر بإمكانيّة انفجار الوضع من الداخل إذا لم تُدار بحكمة وسرعة. وهنا تقع على عاتق الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، مسؤولية المبادرة إلى احتواء الأزمة، وتبريد الساحات، وفتح قنوات الحوار بين مختلف الأطراف، منعاً لانزلاق البلاد إلى مسار تصادمي قد يتحوّل إلى كارثة وطنيّة شاملة.

وليعلم الجميع، أنّ أي محاولة لإقصاء طرف ما أو دفعه إلى الهامش ليست سوى وهم قصير النظر، سرعان ما ينقلب على أصحابه. فالحياة السياسيّة لا تُمحى بالتمنّي، ولا تُختزل بالخطابات، ومن يظنّ أنّ بإمكانه كتابة نهايات الآخرين وفق أهوائه، إنما يفضح عجزه قبل أن يفرض إرادته، وبالتالي الرئيس برّي لن يطوي صفحته السياسيّة بالاستسلام أو بالانسحاب، إنّما سيبقى لاعباً أساسياً في هذه المعادلة خصوصاً وهناك نازح أو مهجّر ينتظر إنصافاً يُعيد إليه حقّه وكرامته في العودة.

https://hura7.com/?p=76361

الأكثر قراءة