جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ تتصاعد وتيرة المواجهة في لبنان مع دخول الحرب مرحلة أكثر حدّة، حيث كثّفت إسرائيل غاراتها على بيروت معلنة استهداف قيادات في حزب الله، وتوغلاتها جنوب البلاد معلنة نيتها البقاء ببعض المناطق بعد الحرب، في وقت تتسع فيه التحذيرات الدولية من تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة، وسط مخاوف من فرض واقع ميداني جديد و”احتلال” أجزاء من جنوب لبنان.
وأعلن الجيش الإسرائيلي مساء الثلاثاء أنه استهدف “قيادياً رفيع المستوى” في حزب الله، إضافة إلى “إرهابي بارز”، في غارتين منفصلتين في منطقة بيروت، من دون أن يحدد هوية المستهدفين أو ما إذا كان الشخص الثاني ينتمي أيضاً إلى الحزب. وفي حصيلة أولية، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بمقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة 21 آخرين بجروح جراء غارة إسرائيلية استهدفت منطقة الجناح في بيروت، كما أدت غارة أخرى استهدفت سيارة في منطقة خلدة جنوب العاصمة إلى مقتل شخصين.
وفي الجنوب، تواصلت الضربات الإسرائيلية، حيث أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، بينهم مسعف، وإصابة عدد كبير من الجرحى. وأوضحت أن غارة في صور أوقعت ثلاثة قتلى و19 جريحاً، بينما أسفرت غارة في صيدا عن أربعة قتلى، فيما استهدفت ضربة ثالثة في بنت جبيل نقطة تجمع تابعة لهيئة “الرسالة” المرتبطة بحركة أمل، ما أدى إلى مقتل مسعف وإصابة 13 آخرين.
“أوامر إخلاء جديدة”
وامتدت الغارات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث استهدف الطيران الإسرائيلي مبنى بعد إنذار مسبق وجّهه المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي إلى سكان سبعة أحياء، وأظهرت صور تصاعد الدخان من الموقع، فيما أغلقت القوى الأمنية الطرق المؤدية إليه. كما استُهدف مبنى آخر على الطريق المؤدي إلى مطار بيروت بعد إنذار مماثل، وسط مشاهد دمار في منطقة باتت شبه خالية من سكانها، وأصدر الجيش الإسرائيلي أيضاً أمراً جديداً بإخلاء مبنى في حي الغبيري ومحيطه، داعياً السكان إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن 300 متر.
شمال إسرائيل
في المقابل، شهد شمال إسرائيل حالة استنفار، حيث دوت صفارات الإنذار أربع مرات خلال عشرين دقيقة، لا سيما في حيفا، بعد إطلاق نحو 15 قذيفة من لبنان. كما أعلنت خدمات الإسعاف نقل ثمانية جرحى إصاباتهم طفيفة في منطقة تل أبيب إثر سقوط شظايا ذخائر عقب إنذار بصواريخ إيرانية.
“منطقة أمنية”.. “احتلال”
وأعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن بلاده تعتزم إقامة “منطقة أمنية” في جنوب لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، مؤكداً أن الجيش سيبسط سيطرته على المنطقة بالكامل، بما في ذلك الجسور، مع القضاء على قوات حزب الله وتدمير الأسلحة. وأضاف أن أكثر من 600 ألف لبناني نزحوا شمالاً لن يتمكنوا من العودة، مشيراً إلى أن جميع منازل القرى الحدودية ستُدمّر، على غرار ما جرى في رفح وبيت حانون في غزة، بهدف إزالة التهديدات نهائياً. كما أكد كاتس أن إسرائيل تعتزم الاحتفاظ بوجودها في جزء من جنوب لبنان بعد انتهاء الحرب، ما أثار ردود فعل لبنانية غاضبة.
وندّد وزير الدفاع اللبناني ميشال منسّى بهذه التصريحات، معتبراً أنها “لم تعد مجرد تهديدات، بل تعكس نية واضحة لفرض احتلال جديد لأراض لبنانية، وتهجير قسري لمئات آلاف المواطنين، وتدمير ممنهج للقرى والبلدات الجنوبية”، وشدد على أن أي محاولة لفرض سيطرة حتى نهر الليطاني تمثل “اعتداءً صارخاً على السيادة اللبنانية”.
الأمم المتحدة تحذر من “أراضي محتلة جديدة”
وأعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ من احتمال إنشاء “أرض محتلة” جديدة في لبنان، وحذر وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر من تداعيات التهجير القسري، مشيراً إلى نزوح أكثر من 1.1 مليون شخص خلال أربعة أسابيع، بينهم 370 ألف طفل، إضافة إلى عبور أكثر من 200 ألف شخص إلى سوريا. وتسائل فليتشر كيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يستعد لإضافة جديدة إلى قائمة الأراضي المحتلة، في ضوء التهجير القسري الواسع وما وصفه بالمسار الذي تحدث عنه بعض الوزراء الإسرائيليين وما شوهد في غزة.
كندا تندد بـ “غزو غير قانوني”
وفي موقف كندي بارز، دان رئيس الوزراء مارك كارني ما وصفه بـ”الغزو غير القانوني” لجزء من لبنان، معتبراً أنه انتهاك لسيادة البلاد، وقال كارني إن الحكومة اللبنانية حظرت حزب الله وتتخذ إجراءات ضده وتحاول مكافحة أنشطته وتهديداته ضد إسرائيل، ومع ذلك يجري الاستناد إلى ذلك لتبرير الغزو، “ولذلك نحن ندينه”.
الاتحاد الأوروبي
وفي نفس السياق أكد وزراء خارجية بلجيكا وقبرص وكرواتيا وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا وهولندا والبرتغال والمملكة المتحدة، إلى جانب الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، في بيان مشترك، دعمهم الكامل للحكومة اللبنانية والشعب اللبناني اللذين يدفعان مجدداً ثمن حرب “لم يختاراها”. وأدان الموقعون بشدة هجمات حزب الله على إسرائيل دعماً لإيران، مطالبين بوقفها فوراً، ومشددين على أن الأولوية هي تفادي تصعيد جديد للنزاع الإقليمي مع إيران.
كما دعوا جميع الأطراف إلى خفض التوتر، وإلى حماية السكان المدنيين والعاملين في المجال الإنساني وأفراد قوات حفظ السلام والبنى التحتية المدنية، ولا سيما المطارات والموانئ والجسور، وفق القانون الدولي الإنساني. وأعربوا عن قلقهم من التهجير القسري لأكثر من مليون شخص في لبنان، ودعوا إسرائيل إلى تجنب أي تصعيد إضافي، وخصوصاً من خلال عملية برية على الأراضي اللبنانية، مؤكدين ضرورة احترام وحدة الأراضي اللبنانية.
وفي بيان منفصل، أعاد هؤلاء الوزراء، ومعهم الاتحاد الأوروبي، تأكيد دعمهم القوي لولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل”، وطالبوا جميع الأطراف بضمان أمن وسلامة أفرادها ومقارها، مع إبقاء قنوات منع التصعيد مفتوحة، بعد مقتل ثلاثة من عناصر حفظ السلام في جنوب البلاد وأكدت المتحدثة باسم القوة الأممية أن التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة ملابسات الانفجارات التي أودت بحياة جنود إندونيسيين، في وقت نفى فيه الجيش الإسرائيلي أي وجود لقواته في موقع الحادث أو زرع عبوات ناسفة.


