الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ بين قَسَم الرئاسة ووجع الشارع: كيف أعادت “مقابلة بعبدا” صياغة مفهوم السيادة؟

جريدة الحرة بيروت

الدكتور محمد حلاويبقلم د. محمد حلاوي

في بلدٍ يُقاس فيه الزمن بين حربٍ وأخرى، وتُحصى فيه الأعمار بعدد المنازل التي أُعيد إعمارها ثم دُمّرت من جديد، يبرز السؤال الأزلي: متى يستعيد لبنان قراره المصادَر؟
لعقودٍ خمسة مضت، بدا المشهد اللبناني كمسرحٍ مفتوح على مصراعيه لتدخلات القوى الإقليمية، لم تقدم إلى اللبنانيين سوى المعاناة، وتوجيهٍ للسياسة الرسمية بما يخدم مصالح الآخرين لا مصالح بيروت.

لكن، خلف الجدران الصامتة لقصر بعبدا، ومنذ ذلك اليوم الذي صدح فيه صوت الرئيس جوزاف عون مؤدياً “خطاب القسم” أمام مجلس النواب، نبتت في قلوب اللبنانيين بارقة أمل. لم يكن القسم مجرد بروتوكول دستوري، بل كان عهداً بانتزاع استقلال القرار الوطني. واليوم، يأتي كلام الرئيس في مقابلته الأخيرة مع شبكة CNN ليتحول من “أقوال مكتوبة” إلى “أفعال مرسومة” على أرض الواقع، واضعاً المصلحة الإنسانية للمواطن فوق كل اعتبار.

المادة 52.. دستورٌ يحمي كرامة الإنسان
في العُرف السياسي، يُنظر إلى الدستور على أنه نصوص جامدة، لكن الرئيس عون في مقابلته نزع عنه هذا الجمود. حين تمسك بحزم بالمادة 52 من الدستور، معلناً أن المفاوضات محصورة برئاسة الجمهورية — مع الأخذ بالاعتبار استشارة كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء— ، لم يكن يدافع عن صلاحيات كرسي الرئاسة، بل كان يدافع عن حق كل مواطن لبناني في أن تُمثله دولته الشرعية، لا قوة داخلية تتحرك بإشارات خارجية. إنها اللحظة التي التقى فيها قَسَم حماية الدستور مع الفعل الحقيقي لقطع الطريق على تجار “الورقة التفاوضية” الذين يدفع الشعب اللبناني دمهم وبيوتهم ثمناً لأجنداتهم.

دماء العسكريين والرفض القاطع للمغامرة
لطالما تضمنت خطابات القسم وعوداً بحماية الأرض والجيش، لكن في المقابلة تجلّى البُعد الإنساني للرئيس كقائد سابق للمؤسسة العسكرية، وكرجل يحمل شظايا الحروب في جسده. حين طرح مبادرة “المناطق النموذجية” وبسط سلطة الشرعية بدءاً من قلعة الشقيف والنبطية، اشترط بحسم وقفاً كاملاً لإطلاق النار، قائلاً بقلب الأب قبل القائد: “لا يمكن إرسال الجنود في ظل استمرار القتال، ما يهدد حياتهم”. هنا يتحول القسم إلى وفاءٍ حي لدماء الشباب اللبناني، ورفضٍ مطلق لزجّ الجيش في مغامرات عبثية غير محسوبة.
وهنا تجدر الإشارة إلى ان لبنان وبموافقته على هذة التجربة يستند إلى القوى الدولية على إنجاحها من جهة وعلى قدرات الجيش اللبناني والتوافق الداخلي من جهة اخرى.
ويرى لبنان بان هذة التجربة اساساً للتخلص من الاحتلال الصهيوني لأرضه وعودة السيادة اليها. بيد ان التجارب مع اسرائيل وأطماعها التوسعية لا تبشر في إنجاحها بدون الدعم الدولي والتوافق الداخلي.

الشعب ليس أتباعاً.. صرخة “الأغلبية الصامتة”
لقد لامس الرئيس الوجع الحقيقي للمواطن الذي أنهكه النزوح واللجوء والموت الدوري كل خمس أو عشر سنوات. المواطن اللبناني، بجميع طوائفه -بمن فيهم أولئك الذين صودرت اصواتهم- سئم الحروب. عبارة الرئيس الحاسمة: “إنهم شعب لبنان، إنهم ليسوا أتباع لأحد”، كانت بمثابة تحرير معنوي لبيئة بأكملها، وتجسيداً للقسم الذي ينص على حماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية الشاملة. فالحل ليس بمواجهة عسكرية داخلية تعيد مأساة عام 1975، بل بمد يد الدولة الحاضنة والبديلة للميليشيات، والعمل الهادئ مع الشركاء الوطنيين لترتيب البيت الداخلي بلا دماء.

العروبة والسيادة في مركب واحد
أعاد الرئيس بوصلة لبنان إلى عمقها الطبيعي عبر التمسك بالشرعية العربية ومبادرة السلام لعام 2002، ليثبت أن الانتماء العربي ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هو مظلة أمان تحمي سيادة البلد وتمنع تحويله إلى ساحة بريد إقليمية.

مسك الختام: رهان على “لبنان العظيم”
في نهاية المطاف، لا تقاس عظمة الدول بترساناتها العسكرية الفئوية، بل بصلابة مؤسساتها وإبداع شعبها. لقد نقل الرئيس في مقابلته أنين “الملل” الذي أصاب اللبنانيين، لكنه لم يتركه مكبلاً باليأس؛ بل حوّله إلى طاقة أمل والتزام ببناء بلد “مزدهر وخالٍ من الفساد”.

خلاصة القول، بين خطاب القسم ومقابلة شبكة CNN، أثبتت الرئاسة اللبنانية أن القرار السيادي ليس ترفاً سياسياً، بل هو

حاجة إنسانية ملحة لكي ينام الطفل اللبناني دون خوف من غارة، ولكي يستيقظ العامل دون قلق من انهيار. إنها الواقعية السياسية التي تنطلق من كرامة الإنسان لتصنع استقلال الأوطان.

https://hura7.com/?p=80073

الأكثر قراءة