جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتحرك الصفيحة اللبنانية فوق فيلق من التحولات الجذرية، إذ تتشابك خيوط التفاوض مع لهيب الميدان لترسم معالم حقبة تتجاوز خطورتها السجالات العابرة، واضعةً الكيان بأسره أمام مفترق طرق مفصلي.
تُظهر القراءة الرصينة للمشهد أن لبنان يخوض غمار عملية تفاوضية شاقة في واشنطن، يسعى من خلالها العدو الإسرائيلي إلى انتزاع مكتسبات استراتيجية عبر “الضغط العسكري المفرط”؛ وهو مصطلح يُترجم ميدانياً بالانتقال من استهداف المواقع العسكرية إلى التدمير الممنهج للكتل السكنية في القرى الحدودية، بغية إنشاء منطقة جغرافية عازلة تُفرغ الجنوب من مقومات الحياة وتجعل العودة إليها مشروطة بوقائع سياسية مستحدثة.
لبنان يخوض غمار عملية تفاوضية شاقة في واشنطن
تهدف هذه العمليات العسكرية إلى تجاوز مفهوم “تبادل الرسائل” التقليدي، لتصبح أداة لفرض وقائع صلبة تسبق أي توقيع رسمي، عبر شروط تمس جوهر السيادة؛ أبرزها المطالبة بـ “ترتيبات أمنية” تمنح الاحتلال “حق التدخل” العسكري المباشر لمواجهة أي نشاط تسلحي مفترض، وتوسيع صلاحيات الرقابة الدولية لتشمل تفتيش الملكيات الخاصة، مما يعني عملياً وضع الجنوب تحت وصاية أمنية مقنعة.
هذا الضغط يقابله فعل ميداني مقاوم يسعى لتثبيت معادلة الردع، مؤكداً أن الساحة اللبنانية ليست مستباحة للإملاءات القسرية. ومع استمرار المراوحة الدبلوماسية، يبرز سيناريو “اللاحرب واللاسلم المدروسة”، وهي حالة من النزاع المحدود زمنياً والجغرافي المتوسع تدريجياً، تبقى فيها العمليات محكومة بسقوف تمنع الانزلاق إلى صدام إقليمي شامل يحرج القوى العظمى، لكنها تظل مستعرة بما يكفي لاستنزاف الدولة اللبنانية.
إن هذا الانتظار القاتل يرتبط وثيقاً بنضوج “الصفقات الكبرى”، وتحديداً مخرجات القمة الأميركية – الصينية التي تبحث استقرار الممرات المائية والمقايضات الاقتصادية الدولية، بالتوازي مع الترقب لنتائج القنوات الخلفية بين واشنطن وطهران، والتقارب الإيراني – السعودي؛ حيث يُخشى أن يُدرج الملف اللبناني كبند تنفيذي ضمن “رزمة حلول” إقليمية تشمل ترتيبات أمن الحدود السورية واليمنية، مما يجعل لبنان ورقة مقايضة في صفقات لا يملك فيها حق النقض.
أما السيناريو الأكثر حدة، فيتمثل في قيام العدو بعملية عسكرية واسعة النطاق لكسر الجمود الحالي، ما يستدعي تدخلاً دولياً طارئاً لفرض حل تحت “الفصل السابع” أو بصيغة دولية جبرية تنهي القتال وتفرض واقعاً أمنياً جديداً بالكامل.
إن هذا المسار لا ينفصل عن احتمالات عودة المناخات الحربية المباشرة ضد طهران أو تصعيد الضغوط العسكرية القصوى عليها، إذ يبرز هنا ترابط عضوي بين الجبهتين؛ فإيران في حال انخرطت في تسويات كبرى أو صفقات إقليمية، ستضع شرط وقف إطلاق النار في لبنان كبند غير قابل للتفاوض لحماية نفوذها واستقرار حلفائها.
وبالمقابل، تتردد تسريبات خلف الكواليس حول “ضمانات أميركية” يلوح بها الرئيس ترامب، تركز على وعود بإعادة إعمار كبرى ودعم مالي غير مسبوق في حال نضوج “الاتفاق التاريخي”، تحت شعار أن “لبنان سيعود أعظم مما كان”.
إلا أن هذه الوعود، رغم بريقها الاقتصادي، تظل في الميزان اللبناني الرسمي محفوفة بالحذر؛ إذ يخشى أن تكون ثمناً لشرعنة التدخلات الأمنية المستدامة أو تقييد السيادة الوطنية. لذا، يظل الموقف اللبناني في حالة استنفار لضمان أن يكون أي مخرج مستنداً إلى تفاهمات وطنية حقيقية لا تفرط بالأرض مقابل الوعود التي تُطبخ وراء البحار.


