الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ تحول موازين الوعي الرقمي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشهد الساحة السياسية والإعلامية في منطقة الشرق الأوسط تحولاً جذرياً يتجاوز حدود الصدام العسكري التقليدي إلى آفاق الحروب السيبرانية وحروب الوعي، حيث يمثل لبنان ساحة اختبار متقدمة لمفهوم الاتصال الاستراتيجي والدعاية السياسية الممنهجة التي يشنها العدو الإسرائيلي. لم تعد المعركة تقتصر على الطائرات والمدافع، بل انتقلت بكثافة إلى شاشات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، مستهدفة بنية المجتمع اللبناني، واستقراره النفسي، وتماسكه الداخلي. ومن خلال رصد التفاعلات والبيانات الرقمية الجارية عبر الفضاء الافتراضي، يتضح أن هذه الدعاية تعتمد على استراتيجية واضحة ومدروسة تدمج بين التهديد المباشر، وصناعة الهلع، ومحاولة إعادة توجيه الرأي العام اللبناني عبر هندسة الرسائل والاتصال الموجه بلغة عربية مبسطة، مستهدفةً النفاذ إلى العقل الجمعي واستغلال التباينات السياسية الداخلية.

تتركز هذه الحملات المعادية حالياً على منصات رقمية محددة يتم توظيفها بناءً على طبيعة الجمهور المستهدف ونوع المحتوى. وتأتي منصة إكس في طليعة هذه البرامج لبث الإعلانات العسكرية والإنذارات المباشرة وتوجيه التهديدات للمسؤولين، مستفيدة من سرعة انتشار الخبر عليها. تليها منصة فيسبوك وتطبيق إنستغرام لضخ ميزانيات هائلة من الإعلانات الممولة التي تستهدف جغرافياً مناطق لبنانية محددة لترويج سردية الضحية وتحميل الأطراف المحلية مسؤولية الدمار. في حين يُستخدم تطبيق تيك توك وموقع يوتيوب لإنتاج مقاطع مصورة قصيرة ومؤثرات بصرية تعتمد على الإبهار السمعي والبصري بهدف استقطاب الفئات الشبابية والناشئة والتأثير على لاوعيهم السياسي. كما يمثل تطبيق واتساب القناة الأخطر التي يحاول العدو الإسرائيلي اختراقها عبر المجموعات المحلية لنشر المقاطع الصوتية والشائعات مجهولة المصدر لزعزعة الاستقرار الميداني.

ولتفكيك هذا التغلغل، يجري الاعتماد على أدوات تحليل رقمي متطورة توفر فهماً دقيقاً للميدان الافتراضي. وتشمل هذه الأدوات برامج رصد وتتبع الأوسمة والكلمات المفتاحية الأكثر تداولاً، مما يتيح قياس سرعة انتشار الشائعات وتحديد النطاق الجغرافي لتأثيرها. كما تُستخدم برامج تحليل المشاعر والاتجاهات لتصنيف ردود أفعال المستخدمين بين المؤيد والمعارض والمحايد عبر معالجة اللغات الطبيعية. وتبرز أدوات تتبع الحسابات الآلية والشبكات الوهمية كعنصر حاسم لكشف “الذباب الإلكتروني” وفصل التفاعل البشري الحقيقي عن التوجيه الاصطناعي الذي تمارسه وحدات الحرب النفسية التابعة للعدو الإسرائيلي.

في المقابل، تظهر المؤشرات الرقمية الحديثة التي تتبع سلوك المستخدمين اللبنانيين نموذجاً فريداً ومستلهماً من المقاومة الشعبية الافتراضية. إذ تنقسم الاستجابة العامة للجمهور اللبناني إلى مسارات محددة، تقع في طليعتها المقاومة الثقافية الساخرة بنسبة تتجاوز نصف المواقف المرصودة، حيث يتم إفراغ التهديدات من محتواها الترهيبي وتحويلها إلى مادة للتندر والتهكم، مما يكسر الفاعلية النفسية لرسائل العدو الإسرائيلي. بينما تعكس نسبة أخرى من التفاعلات سلوكاً مدفوعاً بالقلق الأمني الغريزي، كإعادة نشر إنذارات الإخلاء بدافع الخوف على حياة الآخرين، وهو ما يستدعي الانتباه لخطورة السقوط في فخ الترويج غير المقصود لأهداف الدعاية المعادية. أما الفئة الأخيرة، فتمثلت في التجاهل الجماعي الواعي والحظر التام للحسابات الإسرائيلية، كآلية حماية سيبرانية ذاتية يمارسها الفرد اللبناني تلقائياً.

تفضى القراءة المتعمقة لمجريات هذه المواجهة إلى استنتاجات ملهمة تعيد صياغة مفاهيم الحرب النفسية الحديثة؛ إذ تثبت التجربة اللبنانية أن التفوق التكنولوجي وامتلاك الخوارزميات والمنصات الممولة لا يضمن بالضرورة تحقيق الاختراق القيمي أو السياسي في المجتمعات ذات الإرث التاريخي في مواجهة الاحتلال. لقد تحول الفضاء الرقمي اللبناني من هدف مستباح لحملات العدو الإسرائيلي إلى جدار صد صلب يتسم بوعي جمعي فطري يرفض التطبيع الرقمي ويفكك مصفوفة الدعاية قبل تغلغلها. هذه النتائج تلهم الشعوب والمجتمعات بأن الوعي القومي والتحصين الثقافي يمثلان الترياق الأكثر فاعلية ضد أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والدعاية الموجهة، مما يقلب موازين القوى في معارك الاتصال الحديثة لصالح الإرادة والوعي الإنساني.

تتطلب هذه الاستنتاجات صياغة حزمة من التوصيات السياسية والإعلامية لبناء استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة التحديات القادمة. وتأتي في مقدمة هذه التوصيات ضرورة مأسسة الرد الرقمي عبر إنشاء مرصد وطني لبناني يتبع لوزارة الإعلام، يتولى رصد وتفنيد شائعات العدو الإسرائيلي بشكل فوري وسد الفراغ الإخباري الذي تستغله الدعاية المعادية لبث الرعب. كما ينبغي دمج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج التعليمية اللبنانية، لتدريب الأجيال الصاعدة على آليات تفكيك الخطاب الإعلامي الموجه وفهم الخوارزميات وتجنب التفاعل العفوي الذي قد يخدم أهداف العدو. بالإضافة إلى ذلك، يجب على النخب السياسية والمؤسسات الأهلية تعزيز التلاحم الداخلي وتحييد المنصات الرقمية عن الصراعات السياسية الضيقة، لضمان بقاء الفضاء الافتراضي ساحة دفاع وطني صلبة تصون السلم الأهلي وتحمي السيادة الرقمية للبنان.

https://hura7.com/?p=79415

الأكثر قراءة