جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ في ظل التسارعات الميدانية والدبلوماسية المحمومة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، تتداخل الخطوط السياسية والعسكرية لتصيغ واقعاً جديداً يتأرجح بين التصعيد الميداني غير المسبوق ومحاولات التهدئة الإقليمية التي تقودها واشنطن. وفي هذا السياق، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إسرائيل بأن تكون هجماتها ضد حزب الله أكثر دقة و”جراحية بشكل أكبر”، معرباً في الوقت ذاته عن رغبته في رؤية “لبنان يعيش حياة أفضل”.
وفي مقابلة بثت الأحد على شبكة “إن بي سي”، والتي سبق تسجيلها شن إسرائيل غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على إطلاق مقذوفات، أكد ترامب أنه لا يطالب بإدراج الصراع في لبنان ضمن اتفاق سلام محتمل مع إيران، قائلاً: “أعتقد أنهم يرغبون في ذلك، لكنني لا أطالب به”. كما أشار ترامب إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع “سيرغب في المساعدة” في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الصراع اللبناني المستمر.
الموقف السوري والضغوط الأمريكية
تأتي هذه التصريحات بالتزامن مع كشف كواليس الحراك الدبلوماسي في البيت الأبيض؛ إذ أكد الرئيس الأمريكي الأسبوع الماضي معلومات تفيد بإجرائه مكالمة هاتفية اتسمت بالتوتر الشديد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبّخه خلالها بوضوح على طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية الراهنة في لبنان وسقوط مدنيين. وفي سياق الدور السوري المتغير، نقلت وكالة رويترز عن خمسة مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة شجعت دمشق على النظر جلياً في إرسال قوات عسكرية إلى منطقة شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، وسط مؤشرات متزايدة على وجود تردد كبير لدى القيادة السورية خشية الانجرار التام إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً، وتفادياً لتأجيج التوترات الطائفية الحساسة في المنطقة.
الجيش الإسرائيلي يواصل تصعيده الميداني
ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي تصعيده العسكري العنيف في الجنوب اللبناني، حيث استهدف بشكل مباشر آلية عسكرية تابعة للجيش اللبناني، مما أسفر عن مقتل ضابطين وجندي. وترافقت هذه العمليات مع سلسلة غارات جوية مكثفة طالت بلدات عدة في قضاء النبطية، تتركز أبرزها في كفرتبنيت وميفدون. وقد أسفرت هذه الموجة من الغارات عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً توزعت الضحايا في بلدات جويا، العباسية، حاروف، حبوش، زبدين، وعربصاليم، بالإضافة إلى إصابة عدد من المسعفين المحليين.
كما تواصلت عمليات النسف والتفجير الإسرائيلية الممنهجة للمنازل في بلدتي الطيري وتكونين، بينما تلقى سكان المروانية ومغدوشة اتصالات تحذيرية إسرائيلية عاجلة للإخلاء الفوري. في المقابل، أعلن حزب الله عن تصديه للتوغل واستهداف مقر قيادي وتجمعات مكثفة للجنود، معلناً تدمير دبابات وآليات عسكرية في تسع بلدات جنوبية، إلى جانب استهداف مربض مدفعية في يفتاح ومحيط وادي هونين، والتصدي لمسيرتين في أجواء الشهابية والزهراني.
إحباط إسرائيلي من “الخطوط الحمراء” لواشنطن
بموازاة هذا التدهور الميداني، يتصاعد الإحباط في الأوساط الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً وشعبياً جراء القيود الصارمة والخطوط الحمراء التي تفرضها الإدارة الأمريكية على العمليات العسكرية، لا سيما القواعد التي تمنع استهداف عمق العاصمة بيروت وخارج الضاحية، في وقت قُتل فيه ضابط وجندي إسرائيليان في المعارك البرية المستمرة بالجنوب. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أنه قصف 130 موقعاً لحزب الله خلال اليومين الأخيرين واحتلال ثلاث قرى جنوبية جديدة. وإلى جانب الضغوط الممارَسة من واشنطن، انضم الاتحاد الأوروبي بقوة للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار، وسط قلق إسرائيلي متزايد من توجه ترامب نحو إبرام اتفاق واسع مع إيران.
وفي مؤشر بارز على إعادة ترتيب البيت الداخلي الأمني الإسرائيلي، سارع رئيس الموساد الجديد، رونين غوفمان، لإقالة نائب رئيس الجهاز الذي يعتقد أنه عمل بنشاط ضد تعيينه، والذي كان يُمسك بالمسؤولية الأساسية عن ملف “إسقاط النظام في إيران” الذي شابه الفشل التام. وتزامن هذا الحراك مع استمرار الغارات الإسرائيلية العنيفة على جبهة غزة، والتوتر المتصاعد في الضفة الغربية جراء اعتداءات المستوطنين المستمرة.


