جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
تعود قضية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص لتتصدر المشهد السياسي والقانوني، بعد قرار مجلس الوزراء اللبناني الأخير بالموافقة على اتفاقية 2007. إنها قضية تتجاوز البعد الفني للخطوط والإحداثيات، لتصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على صون سيادتها وحماية ثرواتها في مياه شرق المتوسط الاستراتيجية. هذا الملف المعقد يطرح تساؤلات جوهرية حول الآليات الدستورية السليمة لإقرار مثل هذه الاتفاقيات، والجدوى الفعلية للاتفاق الحالي مقارنة بالمخاطر والتنازلات المحتملة، وكيف يمكن للبعد القانوني أن ينصف لبنان ويحقق سيادته المنشودة.
تعود جذور هذه المعضلة إلى عام 2007، عندما جرى التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية إطارية لترسيم الحدود بين بيروت ونيقوسيا. كانت تلك الاتفاقية قد اعتمدت مبدأ خط الوسط كنقطة انطلاق، مع تحديد نقطة بداية (النقطة 1) أثارت لاحقاً تحفظات عميقة في لبنان. ورغم أن الجانب القبرصي سارع إلى المصادقة على الاتفاقية وأودعها لدى الأمم المتحدة من طرف واحد في عام 2010، فإن لبنان لم يقم بذلك، مما أبقى عليها معلقة وغير نافذة من وجهة النظر القانونية اللبنانية الداخلية. كان التحول الأبرز في الموقف اللبناني عام 2011، عندما أصدر مجلس الوزراء مرسومه رقم 6433، الذي حدد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان على أساس خط ينطلق من النقطة 7، ويعكس تعديلاً جوهرياً للموقف السابق. أودع لبنان هذا المرسوم لدى الأمم المتحدة، ليصبح الوثيقة الرسمية الوحيدة التي تعبر عن موقفه السيادي المطالب به. ومع أن ترسيم الحدود الجنوبية مع إسرائيل في 2022 كان يفترض أن يفتح الباب أمام إعادة التفاوض مع قبرص لتعديل اتفاق 2007 بما يتوافق مع المرسوم 6433، إلا أن قرار مجلس الوزراء الأخير بالمصادقة على الاتفاقية بصيغتها الأصلية أثار استياءً واسعاً، لتجاهله الموقف اللبناني السيادي المودع رسمياً لدى الأمم المتحدة، وطرح الاتفاق مجدداً دون إخضاعه للمراجعة الفنية والقانونية اللازمة.
إن أهمية ترسيم الحدود البحرية لا يمكن إنكارها، فهي ضرورية لإنهاء حالة عدم اليقين القانوني التي تعوق استكشاف واستثمار الثروات النفطية والغازية الكامنة في المياه اللبنانية. يوفر الاتفاق إطاراً يمكن لبنان من البدء في أنشطة التنقيب، سيما وأن الجانبين القبرصي والإسرائيلي قد سبقا إلى استغلال مواردهما. كما يمثل الالتزام بالقانون الدولي للبحار، وتحديداً اتفاقية الأمم المتحدة (UNCLOS)، تعزيزاً لموقف لبنان كدولة ملتزمة بالحلول السلمية والتفاوضية، مما يمنحه شرعية دولية لأنشطته البحرية. غير أن هذه الجدوى مشروطة باتفاق يحفظ كامل حقوق لبنان. فالانتقادات الموجهة للاتفاق بصيغته الحالية جدية وتتعلق بجوهر السيادة؛
يرى الخبراء أن اعتماد النقطة 1 بدلاً من النقطة 7 يترتب عليه تنازل عن مساحات بحرية إضافية كان يمكن للبنان المطالبة بها، مستنداً إلى اعتبارات قانونية وجغرافية خاصة.
فالنقطة 7 (المعتمدة في المرسوم 6433) تأخذ بالاعتبار طبيعة الساحل اللبناني وتعرجاته، وتستند إلى مبدأ “الظروف الخاصة” في اتفاقية UNCLOS، خلافاً للنقطة 1 الأقل إنصافاً. كذلك، إن مصادقة مجلس الوزراء على الاتفاق بموجب مرسوم، دون عرضه على مجلس النواب للتصديق عليه بقانون، يعد خرقاً للآليات الدستورية اللبنانية التي تمنح البرلمان صلاحية الموافقة على المعاهدات التي تمس السيادة الوطنية. وقد يعقد الاتفاق أيضاً الوضع مع تركيا التي لها مواقف مختلفة حول الحدود البحرية في المنطقة، مما قد يضع لبنان في تعقيد إقليمي إضافي.
لضمان أن يكون هذا الترسيم فعلًا سيادياً لا يخدش الحقوق الوطنية ولا يغبن لبنان في عمق مناطقه الاقتصادية، يجب على الدولة اللبنانية أن تتبنى مساراً مزدوجاً محكماً يركز على المصلحة العليا للبنان، استناداً إلى توصيات كبار القانونيين. على الصعيد الداخلي، ينصح الخبراء بضرورة تفعيل الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب، حيث يتوجب على الحكومة إحالة الاتفاق فوراً إلى المجلس ليتم مناقشته والتصديق عليه بقانون، وليس بمرسوم. هذا الإجراء هو الضمانة الدستورية الوحيدة لشرعية الاتفاق، حيث يمنح اللجان النيابية فرصة لإخضاعه لدراسة معمقة ومقارنته بالمرسوم 6433 لتجنب أي تنازلات غير مقصودة في الإحداثيات، ويضمن بالتالي إجماعاً وطنياً يسبق أي التزام دولي. أما على الصعيد الخارجي، فيجب أن يُبنى أي اتفاق نهائي على الموقف اللبناني الرسمي المودع لدى الأمم المتحدة، أي المرسوم 6433. يتيح قانون البحار للدول الاستناد إلى “الظروف الخاصة” لترسيم الحدود، وهو ما يوفر حجة قانونية قوية للبنان للدفاع عن موقفه المتمثل في النقطة 7. بناءً عليه، يجب أن تكون الخطوة اللاحقة هي إعادة التفاوض مع الجانب القبرصي لتعديل اتفاق 2007 بما يتوافق مع المرسوم 6433، لضمان أن الاتفاقية لا تلزم لبنان بتنازلات في عمق المناطق البحرية الاقتصادية. بعد ذلك، يمكن إيداع الاتفاق المعدّل (والمصادق عليه برلمانياً) لدى الأمم المتحدة لضمان نفاذيته الدولية وحماية استثماراته النفطية والغازية.
في الختام، لا يمكن اعتبار ترسيم الحدود البحرية مجرد قرار فني أو اقتصادي بحت، بل هو فعل سيادي بامتياز. إن تحقيق جدوى الاتفاق لا يتم بالتسرع وتجاهل الآليات الدستورية، بل عبر اتباع المسار الصحيح الذي يحمي حقوق لبنان، ويضمن إجماعاً وطنياً حول قضية مصيرية. إن البعد القانوني الذي ينصف لبنان ويحقق سيادته يكمن في الدفاع عن موقفه الرسمي المتمثل في المرسوم 6433، وإعطاء الدور الكامل لمجلس النواب كممثل للسيادة، وذلك قبل أي إيداع أو تنفيذ دولي، ليتحقق الاستثمار الاقتصادي المأمول دون التنازل عن شبر من الحقوق البحرية اللبنانية.


