جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني
يمر المشهد السياسي والعسكري المرتبط بالعدوان الإسرائيلي على لبنان بمرحلة دقيقة تتسم بالتعقيد الجيوسياسي، حيث يتحرك مساران تفاوضيان بشكل متوازٍ لصياغة مستقبل الاستقرار، دون أن تتضح بعد نقاط التقاطع الشامل أو التعارض الجذري بينهما، في وقت تلعب فيه الولايات المتحدة الأمريكية دور المحرك الأساسي في كلا الاتجاهين.
يتمثل المسار الأول في الإطار الإقليمي المرتبط بالتفاهمات الأمريكية الإيرانية، والذي ينظر إلى الساحة اللبنانية كجزء لا يتجزأ من منظومة الاشتباك الإقليمي الواسع، حيث يسعى هذا التوجه إلى صياغة تهدئة شاملة ترتكز على ضبط التصعيد، وإنشاء آليات ميدانية لمنع الاحتكاك المباشر، وإدارة الخروقات تمهيداً للوصول إلى تفاهمات أوسع تضمن خفض حدة النيران على كافة الجبهات المترابطة.
وفي مقابل هذا البعد الإقليمي، يبرز المسار الثاني من خلال المفاوضات العسكرية المباشرة التي جرت في واشنطن بين الوفد اللبناني والعدو الإسرائيلي برعاية أمريكية، حيث يتجاوز المنطق الحمائي هنا فكرة وقف إطلاق النار التقليدي نحو محاولة إعادة هندسة الواقع الأمني في جنوب لبنان بشكل مستقل.
وتسعى المقاربة الأمريكية في هذا الصدد إلى تحويل الهدنة المؤقتة إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستدامة تعزز مرجعية الدولة، من خلال طرح صيغ تتعلق بإعادة انتشار قوات العدو الإسرائيلي عوضاً عن الانسحاب الكامل الفوري، وتجريب انتشار الجيش اللبناني في مناطق جغرافية محددة، بالتزامن مع تفكيك البنى العسكرية وترتيب منظومة رقابة مششدة.
وقد تجلت خلفيات هذا التباين في كواليس جولة المفاوضات العسكرية الأخيرة في واشنطن، والتي عكس فيها الوفد اللبناني موقفاً سيادياً حازماً برفضه المصافحة أو التسليم على وفد العدو الإسرائيلي، نابعاً من التمسك بالثوابت الوطنية ورفض التطبيع الإجرائي تحت ضغط الميدان.
وفي المقابل، حاولت إسرائيل من خلال هذه المنصة إفراغ التفاهمات الأمريكية الإيرانية من مضمونها اللبناني، وضغط وفدها بشكل مكثف لفرض شروط ميدانية قاسية تشمل شرعنة بقاء قواتها في نقاط استراتيجية بالجنوب لفترات ممتدة، وتحويل الانسحاب من موجبات القانون الدولي إلى مكافأة مشروطة بخطوات سياسية وإجراءات داخلية.
وبناءً على التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وقيادة جيشه، فإن الاستراتيجية الإسرائيلية تتمحور حول انتزاع ترتيبات تتجاوز ترتيبات القرار الدولي السابق، من خلال المطالبة بتفكيك منشآت حيوية حتى شمال نهر الليطاني، والتمسك المطلق بحرية الحركة الجوية والبرية لضرب ما يصفه العدو بالتهديدات المستقبلية، وهو ما يمثل محاولة صريحة لفرض معادلة تفاوضية تقضي باسترداد المكاسب الأمنية عبر القنوات الدبلوماسية في واشنطن إذا ما قيدت التفاهمات الإقليمية طموحاتها العسكرية.
تفتح هذه المعطيات الباب واسعاً أمام تقييم احتمالات انهيار وقف إطلاق النار وتجدد المواجهات الشاملة، حيث تشير المعطيات الموضوعية إلى أن خطر العودة إلى مربع الحرب يظل مرتفعاً نظراً لطبيعة الاستقرار الهشة الناتجة عن الخروقات الإسرائيلية المستمرة والمتعمدة للسيادة اللبنانية.
ومع ذلك، فإن هذا الانهيار لا يبدو حتمياً أو راجحاً في المدى المنظور، إذ يتصرف العدو الإسرائيلي على أساس أن العمليات العسكرية لم تنتهِ مفاعيلها بعد، لكن الكبح الحقيقي لنسب حدوث حرب شاملة يعود إلى وجود ضغط أمريكي صارم لمنع تداعي الترتيبات الحالية، تزامناً مع حاجة الأطراف الميدانية لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع.
وتوحي الأجواء الصادرة عن الأوساط السياسية والعسكرية للعدو بتفضيل خيار حرب الاستنزاف المضبوطة والضغط الأمني المتواصل على خيار الانزلاق نحو مواجهة واسعة النطاق غير مضمونة النتائج في الوقت الراهن، مما يعني استمرار حالة التهدئة القلقة التي يتخللها تصعيد موضعي، وسط غياب الآفاق لانسحاب إسرائيلي كامل وسريع، وبقاء المفاوضات الدبلوماسية في مسار متباطئ لا يفضي إلى سلام دائم ولا يفجر حرباً كبرى.
إن هذا البطء الدبلوماسي والجمود الراهن لا يقف عند حدود الميدان فحسب، بل يمتد ليؤثر سلباً على البيئة الداخلية، بحيث لا يفضي إلى تفاهمات لبنانية تتيح للسلطة ممارسة سيادتها الكاملة على القرارات الوطنية الملحة، لا سيما في معالجة أزمة النازحين وتأمين العودة الآمنة لسكان القرى والبلدات الجنوبية وإقرار التعويضات العادلة لإعادة الإعمار.
تتطلب التحديات الراهنة والسيناريوهات المرتقبة صياغة رؤية مستقبلية قادرة على مواجهة المعوقات الأمنية والدبلوماسية، حيث تشير التوقعات إلى أن لبنان سيبقى تحت وطأة الضغوط والشروط العسكرية الهادفة إلى قضم سيادته تحت مسميات المناطق التجريبية وحرية الحركة للعدو.
ولمواجهة هذه المخاطر، تبرز الحاجة إلى حلول عامة ترتكز على تعزيز الحوار والتنسيق والتفاهم بين المكونات اللبنانية كافة، والابتعاد عن التجاذبات الداخلية والاتهامات المتبادلة، وبناء موقف وطني موحد يلتف حول مؤسسات الدولة الشرعية ويدعم سيادتها واستقلالها.
أما على مستوى الحلول الخاصة بمستقبل لبنان وحماية حدوده وحصانته الداخلية، فإن الأمر يستوجب تمسك الدولة اللبنانية بالقرار الدولي بكافة مندرجاته دون أي تعديل يمنح العدو مكاسب غير مشروعة، مع خطة تنفيذية شاملة لتعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب مجهزاً بالقدرات اللوجستية المطلوبة.
إن هذا المسار الدفاعي لا يحول دون ضرورة بسط السلطة اللبنانية سيادتها المطلقة على كامل التراب الوطني، وإنجاز تفاهم سيادي داخلي متين حول قرار السلم والحرب، ومعالجة ملف السلاح الموجود خارج إطار السلطة الشرعية في كافة الأراضي اللبنانية والمخيمات الفلسطينية؛ إذ إن معالجة هذه الملفات البنيوية وتأكيد حصرية السلاح بيد الدولة يشكلان الأرضية الصلبة التي تؤسس للاستقرار المستدام والوحدة الوطنية الحقيقية، وتمنح المفاوض اللبناني عناصر قوة إضافية لتحقيق المطالب الدبلوماسية وحماية المصالح العليا للبلاد في مواجهة الأطماع الخارجية.


