الإثنين, فبراير 9, 2026
18.5 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ جمهورية “القرار الواحد”

جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

على أنقاض زمن “الساحات المفتوحة” وفي قلب تحول تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين، يقف لبنان اليوم أمام لحظة الحقيقة السيادية، حيث لم تعد أنصاف الحلول كافية لترميم كيان يصارع لانتزاع قراره من براثن التوازنات الإقليمية المتفجرة. فالمشهد الذي تبلور بوضوح تحت قيادة الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، يمثل محاولة جادة لإنتاج “جمهورية ثالثة” من رحم الأزمات، تضع حداً للازدواجية القاتلة بين الدولة والميليشيا. هذه المرحلة التي لم تعد معنية بالجدل حول رئاسة الجمهورية التي حُسمت قبل عام، باتت تتركز حول استحقاق أيار 2026 النيابي، الذي يُراد له أن يكون “يوم الاستقلال الفعلي” لإعادة صياغة الهوية السياسية للبنان بعيداً عن الوصايات العابرة للحدود.

وفي هذا السياق، تأتي الجولة الميدانية التي نظمتها قيادة الجيش للسفراء والملحقين العسكريين جنوب الليطاني كإعلان نية دولي ومحلي بأن الجيش اللبناني لم يعد مجرد “قوة فصل”، بل هو الأداة الوحيدة لفرض احتكار العنف الشرعي وتفكيك البنيات العسكرية الموازية، في رسالة مباشرة لطهران بأن قواعد الاشتباك القديمة قد سقطت تحت وطأة الوعيد الإسرائيلي والتحول الاستراتيجي اللبناني.

هذا المخاض السيادي يرتطم اليوم بجدار التوتر المتصاعد مع طهران، حيث دخلت العلاقة اللبنانية الإيرانية نفقاً مظلماً من المواجهة الدبلوماسية المكشوفة، تعكس رغبة بيروت الرسمية في التحلل من أعباء النفوذ الإقليمي الإيراني الذي استهلك سيادة الدولة لسنوات طويلة. فالتدقيق الصارم في أوراق اعتماد البعثات الدبلوماسية الإيرانية والقيود المفروضة على خطوط الإمداد الجوي تمثل “انقلاباً أبيض” في العقيدة السياسية اللبنانية، تهدف لإثبات أن استقرار لبنان لا يمر عبر التفاوض نيابة عن طهران، بل عبر الالتزام الصارم بالقرارات الدولية. وتؤكد تقارير الاستخبارات الدولية أن هذا التوجه ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل هو استجابة لواقع ميداني يرى في استعادة سيادة الجنوب الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق البلاد نحو حرب تدميرية قد تغير وجه الشرق الأوسط.

إن المواجهة الصامتة بين منطق “الدولة العائدة” ومحاولات حزب الله لإعادة التموضع تحت الأرض تضع لبنان في سباق مع الزمن، حيث يصبح نجاح الثنائي عون-سلام في فرض سلطة الدولة حجر الزاوية لمنع الانفجار الكبير قبل طي صفحة العام الحالي.

وفي هذا المشهد المعقد، تبرز المساعي العربية، لا سيما المصرية والسعودية، كرافعة استراتيجية تخرج لبنان من عزلته التاريخية. فالرهان العربي اليوم لم يعد قائماً على تقديم المساعدات العابرة، بل على الاستثمار في “بنية سيادية” صلبة قادرة على تأمين الحدود ومنع ارتهان القرار الوطني. وتكمن المصلحة اللبنانية العليا في هذا التقاطع الاستراتيجي مع الرؤية العربية التي تسعى لتحويل لبنان من “منصة قلق” إلى ركيزة استقرار في منظومة الأمن القومي العربي.

إن العبور نحو انتخابات أيار 2026 تحت مظلة هذه السيادة المستعادة يمثل المسار الوحيد لاستعادة الثقة الدولية وفتح آفاق التعافي الاقتصادي. فالمعركة اليوم ليست مجرد صراع محلي، بل هي إعادة تموضع للبنان في قلب النظام الإقليمي الجديد، حيث تشكل قوة المؤسسات الشرعية وتصفير المشاكل مع العمق العربي الضمانة الأكيدة لترسيخ استقرار مستدام يحمي لبنان من أن يكون وقوداً في صراعات كبرى “لا ناقة له فيها ولا جمل”.

https://hura7.com/?p=72017

الأكثر قراءة