جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
جيل يُخدَع بالسرديات “الرخيصة”… وتاريخ زحلة يُذبح حتّى اليوم!
في ذاكرة لبنان لحظات لا تموت، لأنّها لم تكن مجرّد أحداث، بقدر ما كانت صراعاً على الوجود، وامتحاناً حقيقياً للهوية والكرامة. وذكرى حرب زحلة جرح حيّ، ودرس قاس لم يتعلّمه كثيرون بعد إذ إنّ المفارقة المؤلمة أنّ هذه الذكرى تحلّ اليوم، فيما لا يزال اللبنانيون يعيشون في دوّامة الحروب ذاتها، وكأنّ الزمن يدور في حلقة مفرغة تعيد إنتاج الألم ذاته بأشكال مختلفة.
وسط هذه الذكرى، يكثر الكلام، وتُستعاد الروايات، ويُعاد نبش التفاصيل و”القبور”، لكن ما هو أخطر من النسيان هو تشويه الحقيقة.
فكم من سرديات تُروى اليوم بسطحية، وكم من أحكام تُطلق بجهل، وكم من أجيال تبني قناعاتها على أحاديث المقاهي، لا على وقائع التاريخ. وهنا تكمن الكارثة! جيل كامل قد يُشكّل رأيه انطلاقاً من روايات مبتورة، أو من حقد عائلي موروث، أو من تضليل متعمّد. فسواء أكان المواطن اليوم مؤيداً لنهج وفكر القائد بشير الجميّل أم معارضاً له، فإنّ الحدّ الأدنى من المسؤوليّة الوطنيّة يفرض عليه أن يعلم: ماذا حدث فعلاً؟ لا كما يُشاع، ولا كما يُحرّف، بل كما كان في حقيقته القاسية، بلا تزييف ولا انتقاء.
ففي نيسان 1981، كانت عروسة البقاع أمام معركة فاصلة. عندها لم تخض “القوات اللبنانية” تلك الحرب خدمةً لأجندات خارجية، ولا تنفيذاً لإملاءات دوليّة، خاضتها لأنّ البديل كان السقوط الكامل والتهجير. وللأسف كانت معركة فرضها واقع دموي، حيث لم يكن هناك هامش للحياد ولا خيار للانسحاب.
لم يكن المقاتلون أرقاماً في تقارير عسكرية ولا “شهداء سعداء”، بل بشراً من لحم ودم، تركوا خلفهم حياةً معلّقة: زوجات ينتظرن، وأطفال يحلمون بعودة آبائهم، وأهال يعيشون على وقع الصمود. لم يهربوا، ولم يبحثوا عن ملاذ آمن، بل ثبتوا حيث كان الخطر في ذروته. وفي حقبة كانت فيه الكلفة تُقاس بالحياة نفسها، اختاروا “الزحلانة” المواجهة بدل الانكسار.
ولولا تلك التضحيات، بكل ما حملته من ألم ودماء، لما بقيت زحلة كما هي اليوم، مدينةً حرّةً تنتمي إلى هويتها اللبنانية. نعم، هذه حقيقة فرضها مسار الأحداث، مهما حاول البعض طمسها أو التقليل من شأنها.
لكن المؤسف أنّ جزءاً كبيراً من الجيل الحالي يختزل كل ذلك في صورة مشوّهة على غرار حادثة “ربطة خبز” أخذها أحد المسلّحين على حاجز، أو رواية مجتزأة. ومن هنا نشأت أحكام ظالمة، وصلت إلى حدّ وصف “القوات” بالزعران، أو المطالبة باعتذار بلا فهم للسياق، وكأنّ التاريخ يُقرأ بجملة واحدة، أو يُحاكَم بمعايير سطحية منفصلة عن واقعه.
إهذا الانحدار في الوعي هو خطر حقيقي، لأنّ الجهل بالتاريخ لا يعني فقط فقدان المعرفة، بل يعني الاستعداد لإعادة الأخطاء نفسها، بالاندفاع ذاته، وبالنتائج الكارثية نفسها.
ومن يقرأ تلك المرحلة بموضوعيّة وبتجرّد، بعيداً عن الانفعال والأحكام المسبقة، يدرك أنّ ما جرى كان صراعاً معقّداً فرض خيارات قاسية، ولكن تكلّل بالنجاح والبقاء. وحتى في التعبير الثقافي والفني، نجد صدى تلك المرحلة في أغنية جوليا بطرس: “نُقبّل نُبل أقدامٍ بها يتشرّف الشرف، بعزّة أرضنا انغرست فلا تكبو وترتجف”.
في هذه الذكرى، لا يكفي أن نتذكّر… بل يجب أن نفهم. لا أن نكرّر الروايات، بل أن نُدقّق بها. لا أن نحاكم الماضي بسطحيّة وقلّة معرفة، بل أن نقرأه بعمق ومسؤولية. فالتاريخ ليس مادةً للانقسام أو المزايدات، بل مرآة قاسية تكشف الحقيقة لمن يملك الجرأة على النظر.
وإن كان من خلاصة تُقال اليوم، فهي بسيطة وخطيرة في آن:
“من لا يعرف ماذا حصل… سيجد نفسه يوماً يعيش ما حصل من جديد”


