جريدة الحرة بيروت
وكالات ـ حذّر قاسم من أن الاتفاق “يشرعن بقاء الاحتلال إلى سنوات طويلة، وقد يصل الأمر إلى ضم هذه الأراضي إلى الكيان الصهيوني”، معتبراً أنه “اتفاق حرمان للبنانيين من العودة إلى أرضهم” وفق تعبيره.
أدان الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، اتفاق الإطار المبرم بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، واصفاً إياه بـ”السقطة المريعة”، متهماً السلطات في بيروت بالتفريط بسيادة البلاد والقبول بشروط “تُشرعن الاحتلال” حسب تعبيره. وفي بيان مكتوب، اعتبر قاسم أن الحكومة اللبنانية فرّطت بما وصفه بـ”أوراق القوة التي لم يكن لبنان ليحلم بها” بعد أن قدمتها طهران له في المفاوضات، لا سيما ما يتعلق بـ”وحدة لبنان وسلامة أراضيه”، مشيراً إلى أن إيران هددت بإغلاق مضيق هرمز لضمان وقف الحرب على لبنان، لكن السلطات اللبنانية آثرت، على حد قوله، ارتكاب “الخطيئة الكبرى” بالتخلي عن السيادة للجانب الإسرائيلي.
وتساءل الأمين العام للحزب: “ما علاقة العدو الإسرائيلي بشؤوننا الداخلية في لبنان؟” مؤكداً أن أي اتفاق يجب أن ينحصر بجنوب نهر الليطاني فقط، ولا ارتباط له بأي شأن داخلي حول السلاح والأمن ومستقبل البلد. وحذّر قاسم من أن الاتفاق “يشرعن بقاء الاحتلال إلى سنوات طويلة، وقد يصل الأمر إلى ضم هذه الأراضي إلى الكيان الصهيوني”، معتبراً أنه “اتفاق حرمان للبنانيين من العودة إلى أرضهم” وفق تعبيره.
وأضاف أن ربط الانسحاب الإسرائيلي” بنزع سلاح المقاومة من كل لبنان “طرحٌ خطير جداً يتجاوز كل الخطوط الحمراء”، مؤكداً أن هذا الشرط “يجعل لبنان ألعوبة بيد العدو الإسرائيلي”، إذ إن “أي قطعة سلاح في أي مكان من لبنان قد تُعتبر ذريعة لعدم الالتزام”. وشدد قاسم على أن “السلاح لن يُنزع قطعاً”، معتبراً أنه لا يحق لأحد حرمان اللبنانيين من حق الدفاع عن النفس والأرض. ووصف الاتفاق بأنه “مذلةٌ وعارٌ وتنازلٌ عن السيادة ومعدم الوجود”، مطالباً بتطبيق بنود مذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية بدلاً من ذلك.
وفي ختام كلمته، وجه رسالة إلى السلطة اللبنانية قائلاً: “آن لكم أن تتراجعوا عن خطيئاتكم التي تُخرب لبنان، فهذه فضيلة تسجل لكم بعد الآثام”، معرباً عن استعداد الحزب للتعاون. يذكر أن الاتفاق الإطاري، الذي رعته الولايات المتحدة، يربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان والخط الأصفر بنزع سلاح حزب الله، في خطوة أثارت انقساماً حاداً في المشهد السياسي اللبناني.
فبينما ترى الحكومة اللبنانية في الاتفاق فرصة لفصل المسارات مع الحزب وما تصفه بـ”المحور الإيراني”، يحاجج البعض بأن الجيش اللبناني غير مخوّل عسكرياً بنزع السلاح، ولا يرغب في الذهاب نحو صدام داخلي مع الحزب والمكوّن الشيعي بشكل عام، مما قد يفتح المجال أمام الدولة العبرية للبقاء في المنطقة العازلة، ويمنحها مجددًا حرية الحركة، وبالتالي حرمان آلاف العائلات من العودة إلى قراهم.
هل يواجه لبنان خطر الانقسام السيادي الدائم؟
يضع الموقف التصعيدي الأخير تجاه اتفاق الإطار الساحة السياسية اللبنانية أمام تعقيدات جديدة ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية وحدود المناورة في المفاوضات الإقليمية. ويقود رفض البنود المطروحة، خاصة تلك التي تربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح الشامل، إلى شلل سياسي متوقع يمنع التوصل إلى توافق داخلي حول إدارة الأزمة. ويتجاوز هذا التعارض مجرد الخلاف على تفاصيل تقنية، ليتحول إلى معضلة حول مصير الأوراق التفاوضية والدعم الإقليمي، حيث تقع السلطة الرسمية في بيروت بين ضغوط الشروط الدولية والالتزامات الأمنية المفروضة، وبين الرفض القاطع من قوى محلية ترى في التنازلات المقترحة تخلّياً كاملاً عن عناصر القوة والدفاع.
وتقود الشروط الصارمة المتعلقة بسلاح المقاومة خارج منطقة جنوب الليطاني إلى انسداد كامل في أفق الحل الأمني والعسكري، حيث تتحول التفاصيل السيادية الداخلية إلى مادة للمساومة الخارجية. ويتسبب هذا الربط في منح الطرف الآخر ذريعة دائمة لعدم الالتزام بجدول الانسحاب، مما يهدد بتحويل الوجود العسكري المؤقت في المناطق الحدودية إلى واقع طويل الأمد يقترب من فرض سيطرة دائمة. ويضع هذا السيناريو البلاد أمام تهديد مباشر بقطع صلة آلاف العائلات بأراضيها وقراها، ويحول دون عودة الاستقرار المجتمعي والجغرافي إلى المناطق التي طالها النزاع.
ويترافق هذا الانقسام السياسي الحاد مع معضلة ميدانية تتعلق بقدرة وتوجهات المؤسسة العسكرية الرسمية، التي تجد نفسها في مواجهة مهام تفوق توازناتها الحالية وتتطلب صداماً داخلياً ترفضه تماماً. ويؤدي غياب التوافق حول دور الجيش في نزع السلاح إلى إضعاف الموقف التفاوضي للدولة، مما يمنح الأطراف الخارجية فرصة التمدد والبقاء في المناطق العازلة وحرية الحركة المستمرة. وينذر هذا العجز البنيوي في إنفاذ المقررات الدولية على المستوى المحلي بتحويل الاتفاقيات الإطارية إلى أدوات لتعميق الانقسام المجتمعي، بدلاً من كونها وسائل لإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة.


