جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
نعلم، يا حكيم، أنّ الحمل ثقيل على كتفيك، وأنّ كلفته لم تعد تُحتمل. نعلم أنّك، كل عام ، تفقد رفيقاً، وأنّ “القوات اللبنانيّة” ومعها المجتمع المسيحي يقدّمون خيرة شبابهم قرابين بلا أفق واضحة، وكأنّ قدر هذا الخط أن يدفع وحده فاتورة وطن يتنصّل من أبسط موجباته
لكن إلى متى؟ ولأجل من؟ وتحت أي راية تُسفك هذه التضحيات؟
أهي الدولة؟ وأيّ دولة تلك التي تخلّت عنّا وتركتنا لمصير مجبول بالخوف وعدم الاستقرار؟ دولة تُثقل كاهلنا بالأعباء ثمّ تتفضّل علينا بما هو من صُلب حقوقنا، كأنّها تمنّ علينا من جيوبنا؟ أليس قد آن الأوان أن نطالب بحياة تليق بنا، بدل الارتهان لواقع يُذلّنا ويُشبهنا على غير ما نريد؟ نفهم أنّ غايتك بناء الدولة، ولكن أيُّ دولة تُبنى فوق هذا الركام من الاختلال البنيوي؟ إنّ دولة كهذه، في صورتها الراهنة، لم تعد مطلباً، بل عبئاً. والأسوأ أنّنا مازلنا نؤمن بهذا المسار كمن يلهث خلف وهم يرفضه، فيُهان مراراً ولا يرتدع.
فالإشكاليّة الجوهريّة لا تكمن في الأساس العقدي والسياسي الذي يحكم “حزب الله”. فبعقيدته، لا تندرج أصلاً ضمن مفهوم الدولة الوطنيّة الحديثة، ولا يعترف بمرجعيتها السيادية. والخطأ الفادح في الخطاب اللبناني هو التعاطي مع “ولاية الفقيه” كأنّها مرجعية دينية تقليدية على شاكلة الفاتيكان، فيما هي، في حقيقتها، منظومة حكم شاملة تتجاوز الإرشاد الروحي إلى سلطة سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة عابرة للحدود، تفرض طاعةً مطلقة لا تعترف بسيادة الدول ولا بخصوصيات المجتمعات.
وليس هذا الطرح وليد اللحظة، إنّما له جذور في التاريخ. فمنذ القرن العاشر الهجري، حين حوّل الصفويون إيران إلى التشيّع الإثني عشري، كان لعلماء جبل عامل الدور التأسيسي في بناء البنية الفقهيةّ والقضائيّة للدولة الصفوية، وفي مقدّمهم المحقق الكركي، الذي مُنح صلاحيات واسعة بوصفه نائباً عن الإمام الغائب، في سابقة شكّلت نواةً مبكرة لنظرية “ولاية الفقيه” بصيغتها السلطوية وبالتالي هذا المسار لم يكن طارئاً كما يريد البعض تصويره، بل تراكماً تاريخياً انتهى إلى ما نشهده اليوم.
وعليه، فإنّ الحديث عن “فكّ ارتباط” الشيعة اللبنانيين بهذه المنظومة ليس سوى طرح نظري يفتقر إلى الواقعيّة. فالعلاقة لم تعد تحالفاً سياسياً مع إيران يمكن نقضه، بقدر ما تحوّلت إلى تماه هويّاتي عميق، جعل جزءاً لا يُستهان به من البيئة الشيعيّة في لبنان امتداداً عضوياً للبنية الإيرانيّة في المنطقة. ومع أنّ التشيّع اللبناني أقدم وأغنى في جذوره المحلية من التشيّع الصفوي، فإنّ إعادة تشكيله ضمن إطار “أممي” جعلت الانفصال عنه يتطلّب تحوّلاً عقدياً واجتماعياً عميقاً، قد يستغرق أجيالاً، وهو أمر متعذّر في ظل الحرب القائمة وتصويرها بأنّ الطائفة الشيعيّة مهدّدة بالتهجير إلى العراق.
فإذا سلّمنا بأنّ فكّ هذا الارتباط غير ممكن في المدى المنظور، وإذا كانت الدولة الحالية تفترض وحدة الولاء والسلاح والقرار الخارجي، فإنّ لبنان اليوم يفتقد إلى هذه المقوّمات كلّها. والأسوأ أنّنا لم نعد نحتمل حلولاً ترقيعيّة تُدير الأزمة بدل أن تنهيها إلى غير رجعة.
ومن هنا، يبرز تغيير النظام وتحديداً نحو الفدراليّة، كخيار واقعي لإدارة الانقسام بدل إنكاره أو تغليفه بشعارات كاذبة ومستهلكة مثل “العيش المشترك”، و”الوحدة الوطنيّة”، و”إلغاء الطائفيّة”، أمّا الدعوات إلى إلغائها، فهي بدورها إشكاليّة، لأنّها تمسّ جوهر العقد القائم، من دون أن تقدّم بديلاً فعلياً يضمن التوازن. وحتّى الطروحات الإصلاحية، كإنشاء مجلس شيوخ لنقل التمثيل الطائفي إليه، لا تفعل سوى ترحيل الأزمة من مؤسسة إلى أخرى، من دون تفكيكها أو معالجتها من جذورها. فبتغيير النظام، يمكنُ أن يعيش المسيحيّ والمسلم بسلام راسخ، دون أن يستعلي أحدُهما على الآخر أو يفرض وصايتَه عليه، وعندئذ ينهار الخطاب الطائفيّ من أساسه، وتنبثق بينهما محبّة صادقة عارية من النفاق والخداع، وعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والكرامة المتكافئة.
يا حكيم، لم يعد ثمة متّسع للمناورات أو أنصاف الحلول. نحن معك، لا لنُجمّل مرحلة قتلتنا، بل لنكسر قيودها ونطوي صفحتها. ولا لنمدّد عمر نظام مهترئ بل لنقضي عليه من جذوره. أنت أملنا الوحيد فإمّا مواجهة حاسمة تُعيد صياغة هذا الوطن على أسس واضحة، وإمّا انحدار متواصل سيدفعُنا إلى الهجرة، حيثُ يصبح الرحيل قدراً لا خياراً.


