الأكثر قراءة

لبنان ـ حين تُسرق الذاكرة من البيوت

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

أعرف جيدًا أن الحروب، في نهاية المطاف، يدفع ثمنها أولئك الذين لا علاقة لهم بمشاريعها الكبرى ولا بقراراتها. الفقراء والبسطاء هم غالبًا من يتحولون إلى وقودها الأغلى؛ يموتون أو ينزحون أو يخسرون بيوتهم وأرزاقهم، فيما تُتخذ القرارات بعيدًا عنهم، خلف أبواب مغلقة وعلى طاولات لا يجلس إليها أولئك الذين سيدفعون الثمن.

لكنني لم أكن أعرف أن الدمار يمكن أن يبلغ هذه الدرجة من القسوة، وأن يتحول من تدمير للبيوت إلى اقتلاع لكل ما يربط الإنسان بأرضه وذاكرته. فما تعرض له أهل الجنوب وقراهم لم يكن مجرد سقوط جدران وحجارة، بل طال تفاصيل الحياة التي صنعت معنى المكان: الأثاث، والأشجار، والزيتون، والمقابر، والسيارات، والورش، والمخازن، والمؤن، وحتى الأشياء الصغيرة التي قد لا تساوي الكثير في حسابات الحرب، لكنها بالنسبة إلى أصحابها تختزن أعوامًا من العمر.

كان يمكن للإنسان أن يتقبل، ولو بصعوبة، أن يسقط منزله تحت القصف؛ فالجدران يمكن إعادة بنائها. لكن الأصعب أن يعود ذات يوم فيجد أن البيت لم يعد كما تركه، وأن الأشياء التي حفظت ذاكرة العائلة اختفت معه. عندها لا يعود الدمار مجرد خسارة مادية، بل يصبح اقتلاعًا للإنسان من المكان الذي صنع فيه حياته.

الأرض التي تحمل ذاكرة أهلها

في الجنوب، ليست شجرة الزيتون مجرد شجرة. إنها تاريخ عائلة، ومصدر رزق، وذاكرة أجيال. أشجار زرعها الآباء والأجداد، وكبرت مع البيوت، وشهدت ولادة الأطفال ورحيل الكبار وتبدل الفصول.

لذلك فإن اقتلاعها لا يعني خسارة محصول أو مصدر دخل فحسب، بل قطع علاقة طويلة بين الإنسان والأرض.

والأمر نفسه ينطبق على المقابر. فهي ليست مجرد أماكن لدفن الموتى، بل صفحات من تاريخ العائلات؛ فيها أسماء الآباء والأمهات والأجداد، وفيها ذاكرة من رحلوا وبقيت آثارهم في المكان. وحين يصل الخراب إليها، يشعر الإنسان أن الحرب لم تعد تستهدف الحاضر وحده، بل تعبث بالماضي أيضًا.

حين يغيب أصحاب البيوت

لكن ما يرويه الأهالي عن المنازل ومحتوياتها يضيف طبقة أخرى إلى هذه المأساة.

غادر الجنوبيون بيوتهم على عجل، ولم يكن كثيرون منهم يتوقعون أن يطول الغياب. لم يغادروا باعتقاد أنهم لن يعودوا، بل تركوا وراءهم الملابس والأثاث والأجهزة والسيارات وقطع الغيار والكتب والصور والتحف والمؤن، كما يترك الإنسان منزله عندما يعتقد أنه سيعود إليه بعد أيام.

لكن الأيام طالت.

ومع استمرار الغياب، تتحدث روايات الأهالي عن إخراج ممتلكات من المنازل والمنشآت، وعن تفكيك الحديد والألمنيوم ونقل أجهزة وقطع سيارات ومواد مختلفة من البيوت والمخازن.

وبين هذه الأشياء كانت مقتنيات لا يمكن قياس قيمتها بالمال: كتاب ورثه أحدهم عن والده، صورة قديمة، قطعة أثاث رافقت العائلة سنوات، سجادة، تحفة، أو غرض صغير لا يعرف قيمته إلا صاحبه.

يمكن شراء أثاث جديد، وبناء جدار، واقتناء سيارة أخرى، لكن لا يمكن استعادة الأشياء التي حملت معها ذكريات أصحابها. فالخسارة هنا لا تتعلق بالممتلكات وحدها، بل بجزء من حياة الإنسان التي كانت محفوظة في تلك الأشياء.

رمضان الذي بقي خلف الأبواب

وكان النزوح أكثر قسوة بالنسبة إلى العائلات التي كانت تستعد لشهر رمضان. كانت البيوت قد امتلأت بالمؤن والمواد الغذائية والحاجات الأساسية استعدادًا للشهر، لكن الحرب لم تمنح الناس وقتًا للتفكير في شيء من ذلك.

خرجوا في ساعات الفجر، في برد قاسٍ، حاملين ما استطاعوا حمله، وهم يعتقدون أن النزوح مؤقت وأن العودة قريبة.

كان الاعتقاد بسيطًا: تنتهي المعركة ونعود.

لكن الغياب طال، وتغيرت صورة المكان، وتحول السؤال من: “متى تنتهي الحرب؟” إلى سؤال أكثر قسوة:

متى سنعود؟ وماذا سنجد عندما نعود؟

لم يعد السؤال عن العودة مجرد سؤال عن موعد، بل عن مصير حياة كاملة تركها أصحابها خلفهم.

لماذا نحن؟

ومن هذا السؤال يولد سؤال آخر أكثر وجعًا، ولا يجد الجنوبيون له جوابًا شافيًا:

لماذا نحن؟

لماذا يدفع أهل الجنوب ثمن صراعات إقليمية تتجاوز قدرتهم على التحكم بها؟ ولماذا تتحول بيوتهم وقراهم إلى ساحات تتقاطع فيها حسابات المتحاربين، فيما يجد المدنيون أنفسهم في مواجهة نتائج لم يختاروا خوضها؟

قد تكون بعض المناطق السكنية قد تحولت إلى مواقع للمواجهة والقتال، ما جعل السكان وممتلكاتهم في قلب الخطر. لكن المواطن العادي لا يملك قرار الحرب، ولا يستطيع التحكم في ما يجري من حوله. كل ما يملكه هو أن يتحمل تبعاتها حين يجد نفسه فجأة بلا بيت، وبلا مصدر رزق، وبلا ممتلكات، وبلا قدرة على معرفة ما ينتظره في اليوم التالي.

وهناك خسارة أخرى لا تظهر في صور الركام: شعور الإنسان بالعجز حين يفقد السيطرة على حياته. سنوات من العمل قد تختفي في لحظة، وممتلكات جُمعت على مدى العمر تصبح خارج متناول أصحابها، فيما يتوقف الرزق ويصبح المستقبل معلقًا على تطورات لا يملك الناس القدرة على تغييرها.

عندها تتوالى الأسئلة:

من سيعتني بنا؟
من سيعوضنا؟
من يضمن لنا العودة؟
وإلى متى سيبقى هذا الانتظار؟

وأحيانًا لا يصل إلى الناس سوى جواب بسيط:“الله بدبّر.”

في هذه العبارة شيء من الإيمان، لكن فيها أيضًا اعتراف بمدى ضيق الخيارات أمام أناس وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع أكبر من قدرتهم على تغييره.

الشتاء لا ينتظر أحدًا

ثم يأتي الشتاء، لا ينتظر أحدًا.

لا ينتظر انتهاء الحرب، ولا إعادة الإعمار، ولا عودة النازحين. يأتي في موعده، حاملاً البرد والمطر والحاجة إلى سقف يحمي العائلة.

ولهذا يصبح القلق أكثر قسوة مع اقتراب فصل البرد. هناك من لا يعرف مصير منزله، ومن لا يعرف متى يستطيع العودة إلى قريته، ومن يخشى أن تتجدد جولات القصف والدمار قبل أن تبدأ الحياة باستعادة أنفاسها.

يمكن للإنسان أن يحتمل النزوح أيامًا، وربما أسابيع أو أشهرًا، لكن الحياة لا تستطيع أن تبقى معلقة إلى ما لا نهاية. فالناس بحاجة إلى مكان يعيشون فيه، وعمل يؤمن قوتهم، ومدرسة لأطفالهم، وأرض يعودون إليها، وإحساس بأن الغد يحمل شيئًا من اليقين.

وفي مثل هذه اللحظات، تعود إلى الذاكرة عبارة السوريين التي رافقت سنوات الحرب:“ما لنا غيرك يا الله.”

ليست العبارة هنا موقفًا سياسيًا، بقدر ما هي تعبير عن لحظة إنسانية تضيق فيها الخيارات، فيصبح الأمل آخر ما يتمسك به الإنسان.

وهكذا يعيش الجنوبيون بين الخوف والأمل؛ الخوف من استمرار الدمار ومن المجهول، والأمل في أن يأتي يوم تنتهي فيه الحرب، ويعود الإنسان إلى أرضه، ويفتح باب منزله، ويبدأ حياته من جديد.

الربيع الذي لا يُهزم

قد يطول الشتاء، وقد تمر الأشهر ثقيلة، وقد يتأخر الإعمار وتطول رحلة العودة. لكن الأرض لا تنسى أصحابها.

قد تُقتلع شجرة، ويمكن أن تُزرع أخرى. وقد يسقط بيت، ويمكن أن يرتفع فوق أنقاضه بيت جديد. أما الذاكرة، فهي أكثر استعصاءً على الاقتلاع؛ لأنها لا تسكن الجدران وحدها، بل تسكن الإنسان نفسه.

فالقرية ليست حجارة، والبيت ليس مجرد جدران، والوطن ليس سقفًا وأثاثًا. الوطن هو ما تراكم في المكان عبر السنين: أصوات الناس، ورائحة التراب بعد المطر، وأسماء الشوارع، ووجوه الجيران، وأشجار الزيتون، والمقابر، والطرقات التي يعرفها أهلها حتى وهم مغمضو العينين.

ربما لن يعود كل شيء كما كان، وربما ستبقى ندوب الحرب في الذاكرة سنوات طويلة. لكن الحياة لا تتوقف عند الركام.

ستعود اليد إلى الأرض، وستُزرع الأشجار من جديد، وستُفتح أبواب البيوت، وستعود أصوات الناس إلى الأزقة. وحين يأتي الربيع، ستخرج الزهور من بين الحجارة، كما لو أنها تذكّر الجميع بأن الأرض، مهما أثقلها الخراب، قادرة على استعادة الحياة.

قد يستطيع الخراب أن يهدم البيوت، وأن يقتلع الأشجار، وأن يبعثر الممتلكات، لكنه لن يستطيع إلى الأبد أن يمحو العلاقة بين الإنسان وأرضه.

فمهما طال الشتاء، سيأتي الربيع؛ وستبقى الذاكرة شاهدة على الذين رحلوا، وعلى الذين انتظروا، وعلى أرض لم تنسَ أصحابها.

https://hura7.com/?p=85273

الأكثر قراءة