
جريدة الحرة بيروت
بقلم : العميد منذر الأيوبي* مدونة الكاتب العميد منذر الأيوبي
لم يكن تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن شمولية الأمن القومي التركي بيروت مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي، بل إشارة جدية أن أنقرة باتت تنظر إلى لبنان ضمن فضائها الاستراتيجي، مثلما تنظر إلى سوريا والعراق وشرق المتوسط. اذ ان الدول توسع تعريف أمنها القومي عندما ترى مصالحها الحيوية أصبحت تتجاوز حدودها الجغرافية، وأن أي خلل في محيطها قد ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي.
لكن هل يعني ذلك أن سوريا ستتحول بوابة النفوذ التركي نحو لبنان..؟
الجواب أكثر تعقيدًا من أن يُختصر بنعم أو لا. فسوريا، مهما بلغت درجة تقاطعها مع أنقرة، تبقى دولة لها مصالحها وحساباتها، تسعى إلى استعادة دورها وقرارها المستقل. إلا أن الجغرافيا السياسية تجعل من الصعب فصل المسارين السوري واللبناني، ما يمنح تركيا هامشًا أوسع للحركة كلما تعزز نفوذها في دمشق، سواء عبر الاقتصاد أو التعاون الأمني أو العلاقات السياسية.
ولعل زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس، بما حملته من دلالات تتجاوز البروتوكول التقليدي، تستحق التوقف. فالزيارة إلى مدينة لها رمزيتها التاريخية والجيوسياسية، ساحة التفاعل السوري – اللبناني الرئيسية، بالتزامن مع اتساع الحضور التركي في الملف السوري، توحي أن دمشق عادت لتؤكد حضورها على الساحة اللبنانية ولو من بوابة الدولة، او على الأقل توجيه رسالة بأنها جزء من الترتيبات الإقليمية الجديدة.
في الوقت نفسه، قد يعكس هذا التحرك مشهدًا أوسع تتقاطع فيه المصالح السورية والتركية في بعض الملفات دون أن تتطابق. لذلك، قد لا تكمن أهمية الحدث في الزيارة نفسها بقدر ما تكمن في توقيتها وتزامنها مع تطورات أخرى تبدو منفصلة ظاهريًا، لكنها قد ترسم معًا ملامح مرحلة مختلفة.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى لبنان بوصفه الحلقة الأكثر التصاقًا بأمنها القومي. فمنذ سنوات بنت استراتيجيتها على منع تشكل أي تهديد عسكري على حدودها الشمالية في ظل قواعد ردع متبادلة حكمت المشهد لفترة طويلة. وهي تدرك أن أي لاعب إقليمي جديد يسعى إلى التأثير في التوازنات اللبنانية سيصبح جزءًا من حساباتها الأمنية.
من هذا المنطلق، قد لا يكون التنافس المقبل مواجهة عسكرية مباشرة بين أنقرة وتل أبيب، بقدر ما سيكون سباقًا على التأثير في شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيتكون في لبنان خلال السنوات المقبلة.
غير أن المشهد لا يكتمل دون البعد الإيراني. فإذا أفضت المفاوضات والاتصالات الجارية بين واشنطن وطهران إلى تفاهمات جديدة، فإن انعكاساتها ستطال ساحات النفوذ الإقليمي. إيران حتى الآن ليست غائبة عن المشهد اللبناني وهي تراجع إدارة حضورها بما ينسجم مع أولوياتها وما افضت اليه المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، فيما تعمل الأخيرة على تثبيت ترتيبات أمنية اقليمية أكثر استقرارًا. توازيآ تعمل حكومة نتنياهو على منع أي تفاهم من تقييد حركتها العسكرية أو منح خصومها فرصة لإعادة التموضع، دون حاجة لتبرير استمرارية العدوان، او تفسير ضغوطها العسكرية والسياسية على الساحة اللبنانية.
في هذا السياق، يمكن فهم الجدل المتصاعد حول اتفاق الإطار المطروح في واشنطن. فالخلاف لم يعد يقتصر على نصوص الاتفاق، بل على تفسيرها وآليات تنفيذها، بل وحتى على طبيعته: هل هو إطار سلام أم صك استسلام..؟
في العلاقات الدولية، كثيرًا ما تنقلب الصياغات المرنة أو الغامضة إلى مساحة صراع بحد ذاتها، إذ يسعى كل طرف لفرض القراءة التي تخدم مصالحه. عليه تستفيد إسرائيل من هذا “الغموض الاستراتيجي” Strategic Ambiguity او اللا يقين للدفع نحو ترتيبات أمنية تضمن احتلالها للأراضي اللبنانية تاركةً التفاصيل رهينة موازين القوى أكثر من نصوص الاتفاق.
وإذا كانت إيران تعيد تموضعها، وتركيا توسع مفهوم أمنها القومي، وإسرائيل تسعى إلى تثبيت معادلتها الأمنية، وسوريا تحاول استعادة دورها الإقليمي، فإن لبنان يقف على ناصية التاريخ أمام لحظة مفصلية تحدد موقعه في النظام الإقليمي الجديد. فالتحدي لم يعد يقتصر على إدارة الأزمات، بل بات يتعلق بوسع البصيرة وقدرته على الانتقال من موقع الساحة إلى موقع الدولة.
إن أخطر ما قد يواجهه لبنان اليوم ليس تعدد اللاعبين الإقليميين بحد ذاته، بل أن يصبح مفهوم الأمن القومي اللبناني تابعًا لتعريفات الآخرين او جزءآ منها. وحين تعتبر أكثر من دولة أن أمنها يبدأ من بيروت، تصبح مسؤولية الدولة مضاعفة في تثبيت سيادتها، ومنع تحويل أراضيها منصة لتصفية الحسابات أو رسم خرائط النفوذ.
في المحصلة، ليست المواجهة المقبلة حربًا بين تركيا وإسرائيل على الأرض اللبنانية، لكنها ستكون منافسة ذات ارتدادات قائمة على ثلاث: النفوذ، هندسة التوازنات، ورسم ملامح النظام الأمني الجديد.
.
يبقى السؤال الأهم: هل ينجح لبنان في استعادة قراره الوطني، أم يجد نفسه مرة جديدة رهينة خرائط تُرسم خارج حدوده قبل أن تُترجم على أرضه..؟
لعل البداية لا تكون من الخارج، بل من تفاهم وطني جامع يحدد مفهوم الأمن القومي والوطني، يوحد الكلمة ويثبت الموقف، فالدولة التي لا تعرّف أمنها بنفسها، ستجد الآخرين يفعلون ذلك نيابة عنها.
يقول مهندس الاستراتيجيات زمن الحرب الباردة هنري كيسنجر: “إذا كنت لا تعرف إلى أين تريد أن تذهب، فسيأخذك الآخرون إلى حيث يريدون”.
عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.


