جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني
في ظل أجواء إقليمية متفجرة وتصعيد متلاحق على خطوط التماس الجنوبية، يخوض لبنان اليوم تحدياً مصيرياً غير مسبوق، حيث يتسابق الزمن بين جهود دبلوماسية عابرة للمناطق ومخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة مفروضة. التحليل العميق للمشهد يكشف عن سباق محموم يحدد مسار الأمة بين الأطراف الفاعلة، محاطاً بـ تهديدات جيوسياسية ومبادرات تفتقر إلى إبرام نهائي، بينما تترقب الساحة بصيص ضوء من كلمة الفصل الدولية.
لقد دخلت فرنسا، وفقاً لمصادر دبلوماسية في بيروت، مرحلة تصعيدية من تفعيل زخمها العربي والدولي تجاه لبنان، مدفوعة بـ هواجس عميقة من تركه فريسة لـ احتمالات التصعيد الإسرائيلي الخارج عن السيطرة. هذا الحراك الفرنسي يتجاوز كونه مبادرات عادية، بل هو تجسيد لإرادة سياسية لرفع مستوى الانخراط في المستنقع اللبناني، يتجسد في سلسلة اجتماعات مكثفة في باريس، ودعوة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بهدف المقاربة المباشرة للاحتياجات الملحة لـ المؤسسة العسكرية الوطنية.
وتنظر باريس إلى التهديد الإسرائيلي على أنه خطر هيكلي قائم بقوة، وتكثف جهودها لـ إلزام واشنطن بممارسة ثقلها على إسرائيل، خاصة وأن العقدة الإشكالية تتمركز حصراً حول ملف سلاح “حزب الله”، ما يجعل لبنان النقطة الأكثر هشاشة في معادلة الصراع الإقليمي.
إن المحرك الرئيسي وراء المهمة الفرنسية، التي يبدو أنها تحظى بتغطية أمريكية ودولية، يتمحور حول إلزام الأطراف اللبنانية بتعزيز بروتوكولات وقف النار والبدء بتفعيل “الميكانيزم” (لجنة مراقبة وقف الأعمال القتالية)، شريطة أن تتولى هذه الآلية مهمة التدقيق الفعلي في تفكيك بنى “الحزب” العسكرية على الأرض. هذا الطرح لا يقتصر على المدى الجغرافي لجنوب الليطاني فحسب، بل يمتد ليشمل النطاق الشمالي أيضاً، وهو ما يُعد في نظر باريس شرطاً وجودياً لمنع الانزلاق نحو المجهول، على الرغم مما سيثيره من انقسامات جذرية داخلية.
الدبلوماسية لا تغفل عن أهمية تثبيت الاستقرار المؤسساتي، حيث ترى أن الضغوط الأمنية عند الحدود لا يمكن استئصالها بمعزل عن استعادة هيبة الدولة، وأن استمرار عمل المؤسسات الدستورية يشكل منظومة مناعة سياسية لازمة لمواجهة الضغوط.
في المقابل، تشير التقارير إلى انفصام استراتيجي حاد في لبنان بين التوجه الدبلوماسي والإصرار الميداني، حيث يتبنى “حزب الله” خيار المواجهة على حساب التجريد من السلاح ويطلق تحذيرات من “تآكل النسيج الطائفي”، بينما ترصد المصادر الأمنية توثيق 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل، كما تكشف عن محاولات “حزب الله” لـ تجاوز الحصار المالي المفروض على مؤسسة “القرض الحسن” بإنشاء آليات تمويل رديفة.
في خضم هذا المشهد المحفوف بـ احتمالات الانهيار، تبرز ضرورة تحصين الجيش اللبناني كـ الضمانة الوحيدة للكيان، لكن هذا الدعم أصبح اليوم مرتهناً بشروط هيكلية تتعلق بملف السلاح. “قانون تفويض الدفاع الوطني” (NDAA) الأمريكي المُعلق، على سبيل المثال، وضع قيوداً غير مسبوقة على المساعدات، مشيراً إلى “خيارات تعليق المساعدة كلياً” إذا تبين تغليب المصالح الجزئية على مقاربة نزع سلاح “حزب الله”.
لذلك، فإن تأسيس “آلية المراقبة والتنفيذ الدولية” المقترحة يمكن أن يمثل نقطة ارتكاز لضمان التناغم بين دعم الجيش اللبناني واستحقاقات السيادة، عبر وضع معايير أداء موضوعية لخطة نزع السلاح وربط التمويل الأمريكي بـ إثبات النجاح في إعادة بسط سلطة الدولة على مراحل. هذا الاتجاه يتماهى كذلك مع الشروط المعلنة للمملكة العربية السعودية بضرورة إحراز اختراق حقيقي وملموس في ملف سلاح “حزب الله” قبل مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر في أوائل عام 2026. التحرك الفرنسي الشامل يهدف إلى استرداد مكانة لبنان على الأجندة الدولية كأولوية قصوى، لمنع وقوع الكارثة الشاملة وإعادة بناء المؤسسات، وتثبيت دور الجيش كدعامة لا يمكن المساس بها للاستقرار في ظل صراع إقليمي عارم.
إن مصلحة لبنان العليا في هذا الظرف الدقيق تقتضي تحولاً وطنياً عميقاً، يتجاوز دائرة التجاذبات المعتادة ويستثمر بذكاء في الفرص الدولية المشروطة. الحؤول دون توسع الحرب وتحقيق هذه المصلحة فرض وطني مقدس يتطلب مجموعة من الاستراتيجيات الحاسمة التي يجب على الرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام تبنيها وتنفيذها بإرادة لا تلين:
قيادة دفة الدبلوماسية بثبات استراتيجي: يتوجب على رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة إدارة التفاوض الخارجي لضمان أن تخدم آليات وقف النار و”الميكانيزم” تكريس السيادة اللبنانية، والتعامل بمسؤولية وطنية وقبول فوري مع المبادرة الفرنسية، والنظر إلى ملف نزع السلاح كـ ضرورة استراتيجية لتعزيز منظومة الردع الشاملة.
إطلاق إصلاح اقتصادي نوعي وتحول تكنولوجي: وضع خطة اقتصادية رائدة تركز على الاستثمار الموجه والمستدام في قطاعات التعليم والزراعة، وإدماج التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي (AI) في صميم هياكل الإنتاج، لضمان تكييف الاقتصاد اللبناني مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة وخلق قيمة مضافة معرفية.
التحضير للانتخابات النيابية كاستحقاق سيادي: العمل المشترك بين الحكومة والبرلمان لضمان التحضير الكامل والنزيه لـ الانتخابات النيابية في أيار 2026، وتوفير كل سبل الدعم اللوجستي والأمني لمنع أي تشويه للعملية الديمقراطية بفعل التوترات الحدودية.
إطلاق تنمية وإعمار الجنوب تحت مظلة الدولة والرقابة الدولية: تخصيص موازنات طارئة وبدء ورشة عمل إعمارية شاملة وفورية للجنوب اللبناني المتضرر، على أن تُنفذ حصرياً عبر مؤسسات الدولة الرسمية بعيداً عن تدخلات الأحزاب ومؤسساتها، مع اعتماد آليات الشفافية والمساءلة تحت إشراف دولي مباشر لمنع المحسوبيات والسمسرات وهدر الأموال، وربط التزام الدولة بأمن الحدود بـ الالتزام المطلق بتمكين المجتمعات المحلية.
تثبيت دور الحكومة كشريك دولي موثوق: يجب على حكومة سلام الالتزام التام بالمعايير الدولية للإدارة الرشيدة، خاصة فيما يتعلق بربط التمويل الأجنبي بـ إصلاح الأداء العسكري والمالي، واستغلال هذا الارتباط كـ أداة ضغط إيجابية لتعزيز قدرات الجيش وتكريس سيادته على الأراضي كافة.
تمكين الجيش اللبناني كحصن للسيادة: تذليل كافة المعوقات أمام انتشار وعمل الجيش في المناطق الحدودية، وتوفير الدعم المطلق لإجراءاته التي أثبتت فعاليتها في كبح جماح التصعيد الإسرائيلي بصورة مؤقتة، مما يؤكد الدور المحوري لهذه المؤسسة في حفظ التوازن.
إطلاق الاستثمار الاقتصادي الإقليمي: تفعيل التوجيهات المتعلقة بـ استرداد دور لبنان التاريخي كبوابة تجارية عبر استئناف دور حيوي في إعادة إعمار سورية وتسهيل تحرك الشركات اللبنانية، لترسيخ الاقتصاد كـ عنصر محوري في خطة التعافي الوطني.
إدارة ملف الأسرى والمفقودين كقضية كرامة وطنية: يجب على الأجهزة الحكومية المعنية إدارة هذا الملف ببالغ الجدية والشفافية، والعمل عبر القنوات الدولية لـ جلاء مصير اللبنانيين الأسرى لدى إسرائيل، وعدم ترك هذه القضايا الإنسانية رهينة للمساومات السياسية.


