الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
14.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ رسالة المعلم في زمن الأزمة:  من سلطة المعرفة إلى إبداع التمكين

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

في رحاب مدارسنا الثانوية، وخاصة تلك التي تُعنى بالمواد العلمية، قد تبرز صورة لمعلم يتنكر لدوره التربوي الأصيل.

هذا المعلم، الذي قد يتبنى منهجاً يقوم على الاعتداد بالنفس كونه سيد مادته، ويُفضل التعقيد على التسهيل، ويستخدم الأحكام السلطانية والعبارات اللاذعة بدلاً من الاحتواء الأبوي، يمثل إشكالية حقيقية تهدد جوهر العملية التعليمية.

إن ممارساته، من تسخيف أسئلة الطلاب البسيطة، إلى تصميم اختبارات “للكسر” بدلاً من التقييم الموضوعي، وحتى إضفاء ظروفه الشخصية على أدائه المهني، تُرسّخ بيئة تعليمية سامة. هو بذلك يُحوّل الصف إلى ساحة لإثبات النفوذ بدلاً من كونه ورشة عمل للفهم والتمكين. النتيجة المباشرة لهذا الأداء هي: كراهية الطالب للمادة والمعلم، وتدني ثقته بنفسه، وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية تضر به وبمستقبله الأكاديمي والعملي.

إن مسؤولية هذا الوضع لا تقتصر عليه وحده؛ فوجود طلاب بدرجات متدنية يمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المدرس وإدارة الثانوية والأجهزة الرقابية في وزارة التربية.

إن الطالب الذي يلج أبواب المدرسة هو أمانة وطنية، ويجب على المؤسسة بكامل أجهزتها ابتكار الأساليب والوسائل لضمان إنجازه للمنهج على أساس الفهم والقدرة على الحل والربط، لا على أساس قسوة المنهج أو ضيق الوقت. هذه الممارسات السلبية تتطلب تحليلاً جذرياً وانتقالاً سريعاً نحو نموذج المعلم الذي يدرك أبعاد دوره المتعددة.

المعلم الحقيقي هو الشخص الذي يُدرك أن رسالته تتجاوز حدود الكتاب المدرسي. إن حضوره وسلوكه وخبرته المهنية والعملية داخل المجتمع، وخاصة في بيئة الأزمة اللبنانية والمناطق الطرفية، تجعله عاملاً رئيسياً في بناء الصمود والتقدم. إن الدور التربوي للمعلم يرتكز على التيسير والإبداع، حيث يجب أن يتحول من “ناقل معرفة” إلى “مهندس تعلم”. هذا يتطلب احتواء الأسئلة، واعتبار أي سؤال، مهما كان بسيطاً، فرصة لإعادة بناء الأساس المعرفي للطالب، فالإجابة الواضحة والداعمة تُرسّخ ثقافة البيئة الآمنة للمخاطرة المعرفية.

كما يجب أن يكون التقييم تقييماً تكوينياً يهدف إلى تشخيص مواطن الضعف في عملية التدريس، وليس أداة لكسر الطالب. فتدني مستوى الصف يعني مسؤولية مباشرة على المعلم تستوجب وضع خطط إنقاذ إجرائية لرفع مستوى الطلاب، مع التحلي بالمرونة الذهنية والابتعاد التام عن الأحكام السلطانية.

أما مكانة المعلم الإنسانية فتتمثل في قدرته على احتضان الطالب كفرد ذي كرامة وحقوق، حيث أن احترام حق الطالب في الفهم والتمكين من المادة هو جوهر العدالة التعليمية. إن المعلم، في مجتمع يعاني من الهشاشة، يمثل النموذج الحي للكفاءة والأخلاق، وسلوكه يزرع في الطلاب قيم الجلد والصمود المدني في مواجهة الأزمات. ثقافياً، يجب أن يُستخدم العلم لتعزيز التفكير النقدي والمنطقي، وتحويل المعرفة إلى أداة لحل المشكلات المجتمعية، مما يغني الثقافة العامة للطالب ويُجنّبه الانجرار وراء الأفكار الجاهزة.

هنا يكمن الجانب الوطني والأسمى، حيث يدرك المعلم أن الطالب في مرحلة ما قبل الجامعة هو مشروع قائد ومواطن منتج سيغدو قريباً منخرطاً في الميدان العملي والوطني. يجب أن يدرك المعلم أنه مؤتمن على “رأس المال البشري” للوطن، وأن إبداعه في إعداد هذه الأمانة ليس مجرد خيار تربوي، بل هو التزام وطني. يجب ربط المادة العلمية بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع اللبناني، مما يُحوّل تعلم العلوم إلى أداة صمود وطني وتنمية محلية، خاصة في مناطق الأطراف التي تحتاج إلى شعور قوي بالتمكين الذاتي.

القيمة الأسمى التي يجب أن يقدمها المعلم لخدمة وطنه هي “المسؤولية الكاملة”؛ إذ لا يمكن إلقاء اللوم على الطالب، فالمدرسة بكامل أجهزتها مسؤولة عن كل طالب التحق بها، وعليها الإبداع في توفير الظروف التي تضمن له التمكين العلمي الذي يجعله فرداً قادراً على المساهمة في بناء وطنه.

إن المعلم ليس معلماً فحسب، بل هو سفير الثقافة والمُراقب الاجتماعي ومهندس المستقبل الوطني. عليه أن يتخلى عن أي مظهر من مظاهر النفوذ، وأن يتواضع ليُبدع في التمكين، لأنه بذلك لا يُعلم جيلاً فحسب، بل يُنقذ وطناً.

https://hura7.com/?p=70321

الأكثر قراءة