
جريدة الحرة بيروت
بقلم كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
شركة “زعتر وزيت” لم ترتكب الخطيئة التي يحاول البعض إلصاقها بها. فالخطأ الحقيقي كان يمكن الحديث عنه لو كنّا نعيش في نظام فدرالي واضح، حيثُ تختار كل جماعة فضاءها الاقتصادي والاجتماعي بما يتلاءم مع قناعاتها. أمّا في لبنان القائم على نظام مركزي متصدّع، فالشركات بطبيعتها تتوجّه إلى اللبنانيين جميعاً، بمختلف انتماءاتهم السياسيّة وتباين مواقفهم.
“الإشكاليّة هنا لا تكمن في موقف سياسي عابر أو حتى في تعاطف مع طرف خارجي، إنّما في الانحدار الأخلاقي”.
الإشكاليّة هنا لا تكمن في موقف سياسي عابر أو حتى في تعاطف مع طرف خارجي، إنّما في الانحدار الأخلاقي الذي يجعل إنساناً يستسهل، ببرودة صادمة، تبرير قتل شريحة من أبناء بلده، فحين يبلغ الأمر حدّ اعتبار كلام المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي الداعي إلى استمرار الحرب حتّى “القضاء على الجميع”، طرحاً مشروعاً، فإننا نكون أمام سقوط مدوّ في ميزان الإنسانيّة والوطنيّة معاً.
بهذا المعنى، لا يختلف هذا الخطاب قيد أنملة عن الخطاب المقابل الذي كان يروّجه علي برو، حين يمعن في تخوين شريحة واسعة من اللبنانيين، ويصنّفهم بلا تردّد في خانة “العملاء” و”الصهاينة”مستسهلاً التحريض عليهم وإباحة دمائهم. فإنّ منطق استباحة اللبناني للبناني، مهما اختلفت راياته وشعاراته، هو منطق الإقصاء الأعمى والكراهيّة العمياء.
نعم، يعيش لبنان اليوم واحدة من أكثر مراحله قسوةً واضطراباً، وكثيرون يدركون أنّ سياسة وخيار “حزب الله” كان عاملاً أساسياً في جرّ البلاد إلى هذا المأزق الخطير، غير أنّ الاعتراف بذلك لا يبرّر السقوط في الفخ الأخلاقي ذاته، وتبرير قتل لبنانيين أو التشفي بمصيرهم، حتّى لو كانوا من أشدّ معارضي الحزب أو من خصومه السياسيين.
لو كان لبنان دولة فدرالية فعلاً، لكان النقاش بسيطاً، فلكل منطقة أن تحدّد خياراتها، ولكل شركة أن تختار جمهورها. أمّا في ظل هذا النظام الهجين المتهالك، فلا معنى لتحميل شركة خاصة وزر الانقسام الوطني العميق، ولا لتحويلها إلى ساحة تصفية حسابات سياسيّة لا نهاية لها.
والأدهى من ذلك أنّ الدعوة إلى مقاطعة “زعتر وزيت” ليست سوى ردّة فعل انفعالية فارغة، لا تقلّ عبثية عن حملات المقاطعة التي روّجت لها قوى “الممانعة” ضدّ شركة Pepsi. كلاهما تعبير عن عقليّة ارتجاليّة تستبدل التفكير السياسي الجاد بحركات استعراضية لا تغيّر واقعاً ولا تبني بديلاً.
إن كنتم حقاً تبحثون عن حلّ، فالمعركة ليست مع مطعم أو شركة، بل مع نظام سياسي عفن أنهك لبنان ومزّق المجتمع.
طالبوا بتغييره. لأنّ نهاية هذه الحرب، إن جاءت، يجب ألا تكون مجرّد هدنة في مسلسل الانهيار، إنّما بداية انتقال حقيقي نحو دولة جديدة ونظام جديد يضع حداً لهذا الجنون المتكرر.
رابط نشر https://hura7.com/?p=76233


