الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ سيادة القانون والإنصاف

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تتسم المقاربة السياسية لمسألة القضاء والمساءلة في السياق اللبناني الراهن بأبعاد تتجاوز الإطار الإجرائي، لتلامس جوهر العقد الاجتماعي وجدوى المؤسسات في ظل التباين في وجهات النظر حول آليات تطبيق العدالة وعلاقتها بالمجال الدولي. إن صياغة رؤية استراتيجية حول هذا الملف تتطلب الغوص في أعماق البنية المؤسساتية، بهدف استشراف مسار يؤدي إلى استعادة الثقة بالسيادة القضائية كجزء لا يتجزأ من كيان الدولة المستقل. يمثل ملف التحقيق في القضايا الوطنية الكبرى، بكل تعقيداته، الميزان الذي تُقاس به قدرة المؤسسات على إنتاج حقيقة وطنية جامعة، تتجاوز هواجس الاستهداف أو الرضوخ لضغوط خارجية قد تُمارس تحت مسميات شتى. إن العدالة لا تستقيم إذا ما أُخضعت لمعايير قانونية لدول أخرى تتجاوز القوانين الوطنية المرعية، بل إن جوهر السيادة يكمن في اعتماد التحقيقات الداخلية كمرجعية وحيدة لاتخاذ الإجراءات، حمايةً للمواطنين من أي ضغوط سياسية عابرة للحدود تهدف إلى تحقيق مكاسب لا صلة لها بجوهر الحق.

إن التعمق في كينونة الأزمة يكشف أن صيانة الأمن الوطني تقتضي تحصين القضاء من الداخل ضد مخاطر التحلل الأخلاقي والمادي، وتوسيع مظلته التشريعية لتشمل الفضاء الإلكتروني والسيبراني. إنّ حماية السيادة الوطنية في العصر الرقمي تتطلب قوانين متطورة تواكب التقدم التقني وتضع آليات واضحة للتعامل مع الجرائم العابرة للحدود، بما يضمن ملاحقة العابثين بالأمن القومي أينما وجدوا. كما يبرز التحدي الأكبر في تحديث القوانين الحاكمة لمساءلة الموظفين الكبار والمسؤولين، من خلال إعادة نظر جذرية في مفاهيم الحصانة التي تحولت أحياناً إلى عوائق أمام الحقيقة. إنّ مقتضيات الإنصاف تفرض تطوير تشريعات ملزمة تحدد المسؤوليات بوضوح عما ينجم عن الحروب والأزمات والكوارث، بما يضمن تفعيل قوانين الطوارئ والسلامة العامة بأسلوب يصون حقوق المواطنين المتضررين ويحفظ كراماتهم تحت رقابة قضائية سيادية نافذة، بعيداً عن أي استسهال في إطلاق سراح المتورطين في جرائم الإرهاب أو الاتجار بالسموم عبر الرشوة أو المحسوبية.

علاوة على ذلك، فإن ارتقاء القضاء اللبناني ليحاكي المستويات العالمية يتطلب ورشة عمل تشريعية كبرى تهدف إلى تطوير القوانين وأساليب التنسيق القضائي مع المؤسسات الدولية، بما يضمن ردم الفجوة بين الآليات المحلية والعالمية دون المساس بالسيادة. إن هذا التطور يجب أن يشمل المحاكمات المتعلقة بحقوق الفرد والأسرة، عبر صياغة قوانين مدنية تتفوق على الانقسامات التشريعية الخاصة، وتكرس قيم الحرية والمساواة والمواطنة، لا سيما في قضايا الإرث والأسرة. كما أن هذا الإصلاح يظل قاصراً ما لم يمتد ليشمل كافة المؤسسات الرصيفة المرتبطة وظيفياً بالجسم القضائي، وصولاً إلى مصلحة السجون التي يجب تأهيلها وتصنيف المحكومين فيها؛ إذ لا يجوز وضع القاصر أو مرتكب الجرائم البسيطة مع عتاة المجرمين ومروجي المخدرات والإرهابيين، ضماناً لفاعلية العقاب كأداة للإصلاح البنيوي الوطني الشامل.

على صعيد الاستراتيجية السياسية، فإن العبور نحو مرحلة التعافي يتطلب إرادة صلبة في دعم استقلالية الجسم القضائي وتوفير الغطاء السيادي الكامل له، بالتوازي مع نهضة شاملة في كافة المؤسسات الأمنية والقانونية المرتبطة به. إن التنسيق بين السلطات يجب أن يهدف إلى تذليل العقبات التي تحول دون تنفيذ المذكرات القضائية، وضمان أن تكون المؤسسات العقابية والإصلاحيات مراكز للتأهيل الوطني لا للنسيان. إن الرهان اليوم هو على قدرة الإرادة الوطنية على تجاوز الحواجز المصطنعة والعبور نحو نظام سياسي مدني يستمد شرعيته من قدرته على تحقيق الإنصاف، حيث تُحترم الخصوصية القانونية للدولة وتُصان سيادتها من أي تدخل خارجي، وتُكافح فيه الرشوة كفعل تقويضي لأسس الكيان الوطني، ليكون القضاء هو الحصن المنيع الذي يحمي المجتمع من كل أشكال الجريمة المنظمة والضغوط السياسية.

أما في استشراف آفاق الحلول، فإن المخرج العام يتطلب تبني استراتيجية تشريعية شاملة تهدف إلى سد الثغرات في كامل مسار العدالة، بدءاً من حماية الفضاء السيبراني وصولاً إلى مساءلة أعلى مستويات الهرم الوظيفي، مع إرساء آليات رقابية صارمة تضمن نزاهة هذا المسار. وبالنسبة لمستقبل لبنان، فإن الحل يكمن في إرساء دعائم دولة مدنية عصرية تلتزم بأعلى قيم الإنصاف، وتعتبر أن قوة القانون هي الضمانة الوحيدة للاستقرار. إن بناء منظومة عدلية متكاملة، تشمل القضاء والمؤسسات الرصيفة، وتتسلح بقوانين طوارئ ومساءلة حديثة، هو المدخل الفعلي لتثبيت ركائز الاستقلال الحقيقي، وبناء نظام سياسي يستمد ديمومته من قدرته على حماية كرامة الإنسان وتطبيق العدالة المجردة، ليكون ملف المرفأ وغيره من الملفات الكبرى منطلقاً لترميم الوجدان الوطني وبناء دولة المؤسسات التي لا تنحني إلا لصوت الحق والعدل والسيادة.

https://hura7.com/?p=74018

الأكثر قراءة