الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ سيادة المياه المهدورة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تكتسب قضية الأنهار الدولية في الجغرافيا السياسية اللبنانية أبعاداً تتجاوز المفهوم التقني لتوزيع الحصص المائية، لتصبح في جوهرها معركة سيادة وطنية وقدرة على الصمود في وجه التحولات الإقليمية المتسارعة التي يشهدها عام 2026. إن صيرورة النزاعات الدولية حول المجاري المائية لم تعد تحكمها موازين القوى العسكرية فحسب، بل مدى قدرة الدول على تطويع النواميس القانونية لانتزاع حقوقها السيادية. فالمشهد المائي اللبناني يتوزع بين اتفاقيات ثنائية محكومة بظروف تاريخية مع سوريا، وصراع وجودي مع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، حيث يجد لبنان نفسه أمام مفارقة وجودية؛ فبينما تتدفق مياهه هدرًا نحو البحر أو استنزافًا نحو الخارج، تظل بنيته التحتية مكبلة بعجز إداري وضغوط خارجية خانقة.

إن الركيزة القانونية التي يجب أن ينطلق منها لبنان تكمن في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997، والتي تكرس مبدأ “الانتفاع المنصف والمعقول”، وهو المبدأ الذي يمنح لبنان الحق الكامل في استغلال مياهه بما يتناسب مع احتياجاته المتزايدة لمشاريع الري وحل مشكلات مياه الشفة، إلى جانب مواجهة آثار التغيّر المناخي الذي ضرب المنطقة بقسوة.

إن استعراض واقع الأنهار الدولية اللبنانية يكشف عن فجوة عميقة بين النص القانوني والواقع الميداني، حيث تبرز مشكلة نهر العاصي كنموذج للمفارقة بين وفرة المنبع وعجز الاستثمار؛ فرغم وجود اتفاقية عام 1994، إلا أن الدولة اللبنانية مطالبة اليوم بممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي لتعديل الشروط الفنية التي تقيد قدرتها على الاستفادة من حصتها البالغة 80 مليون متر مكعب، خاصة في ظل تراجع التدفق التاريخي للنبع. إن الجمود في تنفيذ سد العاصي ليس مجرد تعثر إنشائي، بل هو ثغرة في السيادة الوطنية تسمح بضياع الثروة المائية نحو دول المصب دون مقابل تنموي في الداخل اللبناني. وفي الشمال أيضاً، يبرز النهر الكبير الجنوبي كحدود طبيعية تستوجب إدارة مشتركة متكافئة، حيث تفرض الفيضانات الموسمية التي اجتاحت سهل عكار ضرورة الانتقال من التفاهمات الورقية إلى التنفيذ الفوري للسدود المشتركة التي تحمي الأراضي اللبنانية وتضمن حصة عادلة من المياه المخزنة.

أما في الجنوب، فإن قضية نهر الحاصباني وروافده مثل الوزاني تمثل الاختبار الحقيقي للإرادة السياسية اللبنانية والقدرة على توظيف القانون الدولي في مواجهة التهديدات المباشرة. إن غياب تفاهم واضح تحت مظلة الأمم المتحدة، أو تفعيل “آلية التنسيق المشتركة” (Mechanism) بما يتعلق بمياه الوزاني ونهر الحاصباني، يضع لبنان في مواجهة أطماع الاحتلال الذي يحاول فرض معادلة “منع الضخ” كأمر واقع أمني. وهنا، يتحتم على الدبلوماسية اللبنانية أن تتبنى استراتيجية هجومية قائمة على المبادرة والضغط في المحافل الدولية، عبر التأكيد على أن الحقوق المائية هي حقوق إنسانية غير قابلة للتفاوض، وأن مشاريع مثل سد إبل السقي هي مشاريع سيادية تقع ضمن نطاق الحقوق القانونية التي كفلتها المواثيق الدولية. إن أي تراجع عن هذه المشاريع يُعد تنازلاً عن ركن أساسي من أركان الدولة، خاصة وأن الدراسات البيئية لعام 2026 تشير إلى انخفاض حاد في مناسيب المياه الجوفية، مما يجعل الاستفادة من المياه السطحية الخيار الوحيد لتجنب كارثة عطش في القرى الحدودية.

إن المعوقات التي تحول دون استفادة لبنان من ثروته المائية ليست تقنية فحسب، بل هي نتاج تراكمي لتهالك البنية التحتية والارتهان للأزمات الاقتصادية التي شلت قدرة الدولة على تمويل المشاريع الكبرى. إن فقدان نحو نصف الكميات المتاحة نتيجة التسرب في الشبكات وغياب محطات التكرير يحول “وفرة المياه” إلى مجرد وهم إحصائي لا يترجم في ري الحقول. لذا، فإن الحلول المقترحة يجب أن تتجاوز منطق الوعود إلى منطق “خطة الطوارئ القومية”، والتي تبدأ بفرض السيادة عبر تطبيق قانون المياه رقم 77/2018 بكل حزم، ومنع التعديات والتلوث الذي جعل معظم الأنهار غير صالحة للاستخدام البشري. إن حماية جودة المياه هي وجه آخر لحماية كميتها، وضمان وصولها إلى البحر دون استثمار هو هدر للحقوق الوطنية لا يقل خطورة عن التنازل عنها للخصوم.

في الختام، إن لبنان وهو يسعى لتثبيت واقع تنموي جديد، يجب أن يدرك أن حقوقه في مياه العاصي والوزاني والكبير الجنوبي هي أوراق قوة جيوسياسية لا بد من استثمارها. إن المطالبة بالحقوق المائية يجب أن تستند إلى مبانٍ قانونية متينة، تشمل المطالبة بتعويضات عن الحرمان التاريخي من الاستخدام العادل، ورفض أي معادلة تربط المياه بالتسويات الأمنية. إن استرداد السيادة المائية يبدأ من الداخل عبر بناء السدود وتطوير الشبكات، ويمتد إلى الخارج عبر دبلوماسية مائية صلبة لا تقبل بأقل من التطبيق الحرفي لروح القانون الدولي الذي يضمن للدول المشاطئة حق الحياة والتنمية. إن المعركة القادمة هي معركة بقاء، والماء هو محورها، ولبنان بموقعه كدولة منبع، يملك الحق القانوني والأخلاقي ليكون الطرف الأقوى في أي مفاوضات مستقبلية، شريطة توفر الرؤية السياسية التي تضع مصلحة الأرض فوق كل اعتبار.

معجم المفاهيم الفلسفية والقانونية
▪︎ صيرورة: هي عملية التحول المستمر والتبدل الذي يطرأ على طبيعة الصراعات والحقوق عبر الزمن، مؤكدة أن الواقع المائي ليس ثابتاً بل متغيراً بتغير موازين القوى.

▪︎ النواميس: هي القوانين والقواعد الراسخة والسنن التي تنظم العلاقات الدولية والأنظمة الطبيعية، والتي يجب الركون إليها لفض النزاعات وحفظ الحقوق.

https://hura7.com/?p=73468

الأكثر قراءة