الثلاثاء, فبراير 17, 2026
17.4 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ سُكونُ الإرادة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

يَقِفُ لبنانُ في الثاني عشر من كانون الثاني لعام ألفين وستّة وعشرين أمامَ مَفصلٍ تاريخيٍّ لا يقبلُ القسمةَ على فُتاتِ التّسوياتِ الغابرة، حيثُ تتقاطعُ سُطوةُ الميدانِ المُلتهبِ بزنّارِ النارِ والعدوانِ الإسرائيليِّ المتواصل شمالَ الليطاني معَ انفجارِ المرايا الرقميّة في طهران التي باتت تواجهُ عُبوراً سيبرانياً ينهشُ سيادتَها من الداخل.

إنّ ما نعيشُه اليومَ ليس مجرّدَ ذِكرى سَنويّةٍ لانتخابِ الرئيسِ العماد جوزاف عون بقدرِ ما هو لحظةُ اصطدامٍ حتميّةٍ بين مصلحةٍ وطنيّةٍ عُليا تطلبُ الحكمة والتعقّل وبين واقع إقليمي مأزوم يفرض ضغوطه على الداخل اللبناني. فحين يتحدّثُ سيدُ العهدِ عن ضرورة حصر السلاح في يد الدولة، فهو لا ينطلق من عبث سياسي، بل من رؤية استراتيجية تهدف إلى تحصين الكيان وحمايته من أن يبقى ساحةً مفتوحةً لتبادل الرسائل، مؤكداً على الهوية اللبنانيّة التي تقتضي بناء دولة قوية قادرة على حماية أبنائها بقرارها السيادي المستقل.

إنّ مَشهديّةَ الغاراتِ الأربعين التي هزّت مجمعاتِ كفرحتى وبقاعَ إقليمِ التفاحِ هي استمرار لنهج العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي يحاول استغلال اللحظة السياسية الراهنة، ليواجه لبنان هذا الصلف بصبرٍ استراتيجيّ وطنيّ يمتصُّ الصدمات ويتمسك بالحقوق المشروعة، رغماً عن محاولات العدو فرض واقع أمني جديد عبر حروب الظل والضغط الجوي. لبنان اليوم هو من يمارس الصبر في وجه المعتدي، متمسكاً بالشرعية الدولية وبتعزيز قدرات جيشه الوطني الذي يواجه الانكشاف التقني واللوجستي بإرادة صلبة، في وقت ينشغل فيه الإقليم بلملمة شتات ساحاته الثائرة تحت سياط العُبورِ السيبراني والاضطرابات التي تنهك هياكل الأنظمة.

نحنُ أمامَ مَخاضٍ كونيٍّ انتقلَ فيه الصراعُ من المواجهة التقليدية إلى التردّدِ العابرِ للحدود، حيثُ تحاولُ القوى الكبرى إعادة رسم ملامح المنطقة عبر تجريف البنى التحتيّة الرقميّة والاقتصاديّة، مما يفرض على لبنان تحصين جبهته الداخلية وترميم البيت الوطني لمواجهة عواصف التغيير التي لا ترحم الكيانات المشتتة.

وفي هذا الزحامِ الدولي، يبرزُ مؤتمرُ باريس لدعمِ الجيشِ اللبناني كأحد جُسورِ النجاةِ نحو الدولةِ الفعليّة، إذ لم يعدِ الدعمُ العسكريُّ الموعودُ مجرّدَ إجراء لوجستي بل هو ضرورة حيوية لتمكين المؤسسة العسكرية من ممارسة دورها كحامٍ وحيد للحدود والسيادة، مسلّحة بالشرعية الوطنية والغطاء الدولي الذي يوفره الميكانيزم لضبط الخروقات والاعتداءات. إنّ لبنانَ الذي يَعدُه الرئيسُ عون بأن يكونَ عامُ ألفين وستّة وعشرين هو عامَ الخلاص، يتطلّبُ أولاً فكَّ الارتباطِ بالسياسات التي تستنزف قوته، والذهابَ بجرأةٍ نحو تثبيت الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن صراعات المحاور التي تتهاوى تحت ثقل الانتحارِ السيبراني والضغوط الاقتصادية العالمية.

المصلحةُ اللبنانيّةُ العليا تقتضي أن يكونَ الجيشُ هو المبتدأَ والخبر في جملةِ السيادةِ، لينهيَ بذلك عقوداً من القلقِ الوجوديّ ويفتحَ البابَ أمامَ لبنانَ ليكونَ فعلاً منارةً في الصمود والقرار وعُبوراً حقيقياً نحو غدٍ يسوده الاستقرار المطلق والازدهار الذي يستحقه هذا الشعب المناضل.

https://hura7.com/?p=73106

الأكثر قراءة