الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ شجاعة الرائد سعد حداد… قصّة لم تُروَ بالكامل!

جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس

أهذا هو مصير القرى الحدوديّة المسيحيّة، التي كان هم أهلُها الأوّل والأخير أن يعيشوا بسلام تحت حماية الدولة وراعيتها الشرعيّة؟! اليوم صدر القرار، وانسحب الجيش اللبناني من هذه القرى، في وقت كان الأهالي بأمس الحاجة إلى وجوده. وهكذا ترك القرار فجوة واضحة في الحماية الأمنيّة، فبدت هذه القرى وكأنّها وحيدة أمام أي تهديد محتمل، بلا سند رسمي يحميها.ومع ذلك، اختار قائد الجيش “الماروني”، رودولف هيكل، ورئيس الجمهورية “الماروني”، جوزاف عون، التنصل من مسؤولياتهما تجاه هؤلاء المواطنين، متجاهلينهم كما لو أنّهم ليسوا جزءاً من خريطة لبنان.

إن مغادرة الأجهزة الأمنية توحي بأنّ الدولة لا تريد حمايتهم، وأنّ اهتماماتها لا تشمل الشعب الذي يُفترض أن تحميه، وأنّها مستمرّة في ضعفها وهشاشتها. بل إنّ هذه المغادرة تُفسح المجال أمام عناصر حزب الله للاستيلاء على هذه القرى، ما قد يؤدي إلى قصفها، كما حدث اليوم في بلدة القوزح.

فهل يكون ما حدث دافعاً لتأسيس جيش لبناني جنوبي جديد يحمي هذه الأرض؟ وهل سنشهد ظهور شخصيّة وطنيّة بمقام الرائد سعد حداد مرّة أخرى؟. قد وصفه بعض اللبنانيين بالعميل، بينما اعتبره آخرون بطلاً قومياً، لكن الحقيقة تبقى كما هي، بلا تزوير للتاريخ.

ففي أيّار 1980، عاد عدد من الشبّان إلى مرجعيون، قاصدين قائد جيش لبنان الحرّ، الرائد سعد حداد، وأخبروه بأنّ قوّة إسرائيليّة طالبتهم بالمغادرة أثناء ممارستهم هواية الصيد على نهر الوزاني، بحجة أنّ هناك قراراً بضم هذه المنطقة إلى الأراضي الإسرائيليّة.

عند سماع ذلك، توجّه الرائد حداد مع أحد معاونيه إلى نهر الوزاني، حيثُ وقع الحدث. وعندما أُذيع الخبر، التحق به شباب المنطقة من مرجعيون والقليعة والمناطق المجاورة، إلاّ أنّ حداد طلب منهم البقاء على الحياد، فنزل إلى ضفة النهر على الحدود الإسرائيلية، مستدعياً أحد عناصر جيش الدفاع الإسرائيلي، طالباً التحدث إلى قائد القوّة المتمركزة هناك. عندها دار نقاش حاد وطويل بين الطرفين، وما كان من الرائد حداد إلاّ أن أشهر مسدسه الشخصي في وجه الضابط الإسرائيلي، وهو ممسك بكمشة من التراب، صارخاً: “اذهب إلى دولتك وقل لها إنّني لن أتنازل عن شبر واحد من أرض لبنان، مهما كلفني ذلك من تضحيات!”

عادت الكتيبة الإسرائيليّة أدراجها، وطلبت قيادتها لقاءً مع حداد في منطقة المطُلّة، لكنّه رفض. فتوتّرت العلاقة بين حداد والإسرائيليين، ممّا دفعه إلى إعلان استقالته عبر أثير “لبنان الحر” مباشرة على الهواء. وما إن سمع أبناء المنطقة الحدوديّة بالنبأ حتّى خرجوا إلى الشوارع، وانتظروا موكب الرائد حداد عند مدخل جديدة مرجعيون الشمالي. خلع حداد بزته العسكرية، فانزله الأهالي من سيارته، وطلبوا منه التراجع عن الاستقالة، وألبسوه السترة التي تحمل رتبته مجدداً، وحملوه على الأكتاف إلى دارته.

وبعد كل ما جرى، عاد الرائد حداد عن استقالته، واجتمع بالإسرائيليين، مفروضاً عليهم شروطه بعدم المس بشبر واحد من الأراض اللبنانيّة، أو القيام بأي فعل داخل الأراضي اللبنانية دون استشارته وموافقة جيش لبنان الحرّ. وهكذا بقي الوزاني لبنانياً، واحترم الإسرائيليون القرار اللبناني في المنطقة الحدوديّة، كما احترموا موقف الرائد سعد حداد لأنّه لبناني.

هذه هي طبيعة الأبطال الحقيقيين، الذين يدافعون عن لبنان بشجاعة، ويجعلون من كل شبر من أرضه قضية مقدسة، فلا يسعنا إلاّ أن نترحم على روحه، ونتذكر كيف كانت تلك القرى تحتوي على رجال صنعوا الفخر والكرامة في زمن عزت فيه البطولة.

https://hura7.com/?p=76998

الأكثر قراءة