جريدة الحرة بيروت

بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
ليس في لبنان ما هو أكثر رسوخاً من إنكار الواقع. بقعة جغرافية تتقن صناعة الأوهام السياسيّة وترويجها، وتبرع في تحويل الهزائم المؤجلة إلى انتصارات خطابية، فيما الطبقة الحاكمة ترزح في غيبوبة عميقة. وفي أعقاب ما جرى بالأمس، تبدو الضبابيّة التي تكتنف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران امتداداً طبيعياً للعبة أكبر، سيتأثر لبنان حتماً بتداعياتها.لعبة تتوزع فيها الأدوار بين التصعيد والإنكار، وبين تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومناورات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل مشهد عسكري يتضخم يوماً بعد يوم مع تدفّق الأصول العسكرية الأميركية إلى المنطقة.
وعلى ما يبدو أنّ هدنة ال١٠ أيّام، هي بمثابة “استراحة محارب”، أي استراحة قصيرة في مسار تصادمي مرشّح للانفجار مجدداً، وربما بوتيرة أشد، مدفوعاً بهدف حاسم يتمثل في السيطرة على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران، ووضع حدّ لقدرتها على بلوغ العتبة النووية، إضافةً إلى قطع أذرعتها في الشرق الأوسط. وعندها، لن يكون السؤال ما إذا كانت الحرب ستستأنف، بل أين وكيف ستتمدّد رقعتها.
وكما يقول المثل: “لبنان بكل عرس اله قرص”، تبرز التساؤلات حول إذا كان “حزب الله” سيستعيد نشاطه وينخرط مجدداً في الحرب. غير أنّ هذا السؤال بحد ذاته مُضلل، بحيث أنّ قراره، في جوهره، مرتبط بإيران، فيما الدولة المحلية، التي لا تحتكر السلاح، لا تملك ترف الحياد ولا حرية القرار.
وعليه، فإنّ تطبيق الهدنة دون نزع سلاح “حزب الله” ليست سوى إعادة إنتاج لحرب مدمّرة، وتدوير مملّ لشعارات سيادية فقدت مضمونها من خلال سيادة بلا سيطرة، ودولة بلا قرار، وسلطة تتقن توصيف العجز بدل معالجته.
وقد تجلّى ذلك في كلمة رئيس الجمهورية جوزيف عون بالأمس، حيث أُدير الخطاب بمنطق “تجهيل الفاعل”، مع تجنّب تسمية الوقائع كما هي، وإن تضمّن إشارات إيجابيّة بإعطاء (pass) إلى كلّ من الجانب الأميركي والجانب السعودي. غير أنّ هذا الخطاب، إذا لم يُقترن بإجراءات ميدانية حازمة، وبسط فعلي لسلطة الدولة، وضربٍة بيد من حديد، يبقى بلا جدوى، بل إن الصمت، في هذه الحالة، أبلغ.
وإذا كان المشرفون على هذا العهد يعتزمون فعلاً نزع سلاح “الحزب”، فإن الوقائع تضلل هذا الادعاء بوضوح. فعندما سنحت لحظة ميدانيّة نادرة، تمثّلت في تراجع نسبي في الانتشار المسلح “للحزب” وفراغ سكاني شبه كامل في الضاحية، لم يُحرّك ساكن، ولم يُعط الجيش أمراً بالانتشار، ولم تُختبر جدية القرار. مرّت اللحظة كما تمرّ سائر الفرص في هذا البلد بصمت رسمي وتبريرات واهية.
السؤال المطروح ليس لماذا لم يحدث ذلك، بل ما إذا كان حدوثه ممكناً أصلاً. وللأسف، الجواب واضح بأنّ الطبقة الحاكمة تفتقر إلى الجرأة والاستقلالية لاتخاذ قرار من هذا النوع. بل إنّ الأخطر من ذلك أنها، في بنيتها الراهنة، لا تملك لا القرار ولا القدرة على خوض مفاوضات جدية، ولا على إبرام اتفاقيات سلام أو تسويات كبرى. إنها طبقة أسيرة توازنات داخلية هشّة وارتباطات خارجية متشابكة، تعيش على إدارة الأزمات لا حلّها، وعلى تأجيل الانفجار لا منعه.
وهكذا يبقى لبنان: “لا قادر على الحسم، ولا على الخروج من دائرة الصراع، مكتفياً بدور المتلقّي لتداعيات قرارات تُتخذ خارجه، وتُفرض عليه دون أن يملك ترف الاعتراض أو حتّى المبادرة”.


