جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني
لا تُكتب قصص الأمم الناهضة على صفحات الاستقرار المزيفة، بل تُصاغ من قلب الرماد، حيث يتحول الألم إلى وقود للإرادة، والانقسام إلى حافز للوحدة.
إنّ تجارب التاريخ، من ألمانيا التي لفظت دمار الحرب العالمية الثانية وولدت منها “المعجزة الاقتصادية” بفضل إرساء قواعد السوق الاجتماعي والعملة الموثوقة، إلى اليابان التي استبدلت الهزيمة العسكرية بريادة تكنولوجية عالمية قائمة على الجودة والانضباط التربوي، وصولاً إلى سنغافورة التي حولت تحديات الانفصال والتنوع العرقي إلى قوة مركزية عبر حكم رشيد وشفافية صارمة؛ تقدم جميعها دروساً لا تُقدّر بثمن للجمهورية اللبنانية المنهكة.
إنّ جوهر هذه الدروس يكمن في إدراك أن النهوض ليس اقتصادياً محضاً، بل هو بالأساس عقد اجتماعي وفلسفي جديد، يُعلي من شأن المؤسسة على الطائفة، والكفاءة على المحاصصة.
لبنان، بتركيبته الطائفية المعقدة، وبنائه السياسي الهش، ووقوعه في براثن الصراع الجيوسياسي الذي يغذي الأطماع الخارجية، يجد نفسه أمام مفترق طرق حاسم. إنّ استمرار النظام الحالي القائم على اقتصاد الريع والمحاصصة يضمن التراجع الحتمي، بينما التحول نحو دولة المواطنة والإنتاج هو المسار الوحيد للنجاة.
تتطلب خارطة الطريق للتعافي اللبناني دمج هذين البعدين الحيويين: التحول الاقتصادي الرأسمالي المعرفي والإصلاح السياسي الطائفي الجذري. على المستوى الاقتصادي، لا يكمن الخلاص في الموارد الطبيعية أو الصناعة التقليدية، بل في اقتصاد المعرفة والخدمات النوعية الذي يستغل العقل اللبناني المبدع، ويحول الموقع الجغرافي الفريد إلى مركز لوجستي ومالي بين الشرق والغرب، محميًا ببيئة قضائية شفافة ومالية موثوقة تستلهم صرامة الأنظمة العالمية. لبنان
هذا التحول يبدأ بإصلاح نقدي ومصرفي جريء لتوحيد سعر الصرف وإعادة الثقة المفقودة، متبوعاً بدعم الشركات الناشئة وقطاعات التكنولوجيا المتقدمة، وربط التعليم الجامعي باحتياجات السوق العالمي.
إنّ أي إصلاح اقتصادي يفتقر إلى دعامة سياسية صلبة لن يكتب له الدوام. هنا يكمن التحدي الأكبر: كيفية تفكيك النظام السياسي الطائفي دون إحداث فراغ؟ الإجابة تكمن في التدرج الحاسم؛ البدء بتطبيق مبدأ الكفاءة والجدارة في التعيينات الإدارية والقضائية، واستقلال القضاء التام ليكون سيف الدولة على الفساد والهدر.
يتطلب الأمر إصلاحاً انتخابياً يمهد الطريق لولادة كتل سياسية عابرة للطوائف، وصولاً إلى تفعيل مؤسسات دستورية تخفف من الطائفية السياسية (كإنشاء مجلس الشيوخ)، والتحول التدريجي نحو حكومات تكنوقراط تكون مسؤولة أمام البرلمان وليس أمام زعماء الطوائف.
هذا الانتقال نحو دولة المؤسسات القوية هو السبيل الوحيد لـاستعادة احتكار الدولة للقرار والسلاح، والرد على الأطماع الخارجية (خاصة الإسرائيلية في المياه والحدود) بـوحدة القرار السياسي وليس الانقسام. فالقوة الحقيقية ليست فقط في السلاح، بل في إجماع الدولة وفعالية مؤسساتها وقدرتها على حماية مواردها.
أما البعد الفلسفي والأعمق للنهوض، فيكمن في إعادة إنتاج العقل اللبناني. إنّ التربية والتعليم هما الخط الأول للدفاع. يجب نزع الطائفية عن المناهج الدراسية واستبدالها بتربية وطنية مدنية موحدة تُعلي من قيمة المواطنة والمساءلة والحياد الإيجابي كقيمة استراتيجية. إنّ العقل المنتج، القادر على الابتكار، والرافض للتبعية، هو وحده الكفيل بـالحيلولة دون الوقوع مجدداً في براثن التراجع.
عندما يستمد السياسي والمسؤول شرعيته من كفاءته في خدمة الوطن لا من نفوذه الطائفي، وعندما يدرك المواطن أن مصيره مرتبط بإنتاجيته لا بولائه الطائفي، عندئذ يكون لبنان قد عبر “وادي الدموع” إلى جمهورية جديدة.
إنّ رسالة بيروت، المحاصرة بين الماضي والحاضر، إلى العالم هي رسالة أمل مفادها: الأمة التي تتبنى القانون وتجعل من التعليم والإنتاج بوصلتها هي الأمة التي لا يمكن هزيمتها، حتى لو مزقتها الجراح. النهوض ممكن، لكنه يتطلب إرادة فولاذية لتجاوز الذات الطائفية والقفز إلى المستقبل المؤسساتي الواعد.


