الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ غبار الميدان يرسم حدود السيادة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتداخل التطورات الميدانية والسياسية على الساحة اللبنانية لترسم ملامح منعطف بالغ الخطورة يتزامن مع التحركات الدبلوماسية الدولية الجارية في العواصم الكبرى، وفي مقدمتها الاتصالات المرتبطة بمسار التفاوض في واشنطن خلال شهر أيار من العام الحالي.

ولم تعد المواجهة الدائرة في عمق الجنوب مجرد تبادل للنار ضمن قواعد اشتباك تقليدية، بل تحولت إلى صراع نفوذ وتثبيت خرائط يسعى من خلالها كل طرف إلى فرض واقع جغرافي جديد ليكون حاكماً على طاولة السياسة المستقبلية. وفي وقت تتشابك فيه الرسائل النارية للعدو الإسرائيلي مع الرؤية الدبلوماسية الأمريكية التي تنطلق من مقاربة الصفقات الحاسمة، يجد لبنان نفسه أمام لحظة تاريخية تتجاوز تفاصيل الترتيبات الأمنية الموضعية لتطال جوهر بنيته الوطنية واستقراره الاجتماعي وصيغته الميثاقية التي قامت على التوازن الدقيق بين مختلف مكوناته.

يتجلى هذا الواقع الميداني من خلال التصعيد العسكري المتواصل للعدو الإسرائيلي، والذي بات يركز على محاور حيوية تتعدى خطوط المواجهة الأمامية لتصل إلى عمق جغرافية الجنوب، لاسيما في مناطق إقليم التفاح والبلدات المحيطة بها مثل سجد وجرجوع ودير الزهراني.

إن نقل الثقل الناري والتهديدي إلى هذه المناطق تحديداً يحمل دلالات استراتيجية واضحة؛ إذ يمثل محاولة لفرض أمر واقع جديد يهدف إلى عزل البلدات والقرى وقطع أوصال التواصل الجغرافي واللوجيستي بين النبطية وصيدا وبقية المناطق اللبنانية.

ومن خلال هذه القراءة الميدانية، يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحويل التدمير الممنهج وفرض سياسة الأرض المحروقة إلى ورقة ضغط أساسية لانتزاع ترتيبات أمنية قاسية تمتد إلى عمق الأراضي اللبنانية، مستبقاً أي تسوية دبلوماسية قد تطرحها الإدارة الأمريكية التي تبدو عازمة على إنهاء الأزمات المفتوحة وفق شروط صلبة لا تقبل التهدئة المؤقتة أو المسكنات السياسية العابرة.

تترافق هذه العمليات العسكرية مع استراتيجية أكثر عمقاً وخطورة يشار إليها بهندسة الإخلاء والتفريغ الديموغرافي، حيث يعمد العدو الإسرائيلي إلى تسوية أحياء سكنية كاملة بالأرض وتدمير شبكات البنية التحتية من مياه وكهرباء وطرقات في القرى المتاخمة للحدود.

هذه السياسة لا تستهدف فقط ردع التحركات العسكرية، بل تهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث تغيير ديموغرافي طويل الأمد من خلال جعل عودة أكثر من مليون نازح إلى ديارهم أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور دون تقديم تنازلات سياسية كبرى. إن السعي لإنشاء منطقة عازلة من طرف واحد وفرض رقابة مشددة على الحركة البشرية الحدودية يعكس رغبة العدو في كسر معادلات الردع التقليدية وترسيخ حزام أمني يحمي مستوطناته الشمالية بأي ثمن، حتى لو تطلب ذلك مسح بلدات بأكملها وتجريدها من مقومات الحياة الأساسية.

في المقابل، تتبنى الإدارة الأمريكية الحالية عقيدة سياسية مغايرة في تعاملها مع الملف اللبناني، حيث لم تعد تنظر إلى الأزمة من منظور الوساطة الدبلوماسية التقليدية، بل تسعى إلى فرض تسوية حاسمة تنهي ما تصفه بالخلل البنيوي المتمثل في وجود سلطتين عسكريتين وقرارين داخل الدولة اللبنانية. ومن هذا المنطلق، يتم استخدام الضغوط الاقتصادية والمالية الخانقة، بالتوازي مع التلويح برفع الغطاء الدبلوماسي، لإجبار الجانب اللبناني على القبول بشروط تتضمن حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية وبسط سيادة الدولة الكاملة على كافة أراضيها.

ويرتبط هذا المسار بمسعى أمريكي حثيث لفصل ملفات التفاوض الإقليمية، حيث تدور محادثات موازية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين واشنطن وطهران تركز فيها الأخيرة على تأمين داخلها وحماية مصالحها المباشرة وتجنب الضربات العسكرية، مما يعزل الجبهة اللبنانية ويضع المفاوض اللبناني أمام خيارات صعبة تتطلب اتخاذ قرارات مصيرية تحت وطأة الضغط الميداني والاقتصادي المستمر.

هذا الحصار الخارجي يتردد صداه بقوة في الداخل اللبناني، حيث تحول ملف النزوح والتهجير القسري الكثيف إلى سلاح يضغط على صلب المجتمع اللبناني ويهدد استقراره الهش. ويواجه مئات الآلاف من النازحين في مراكز الإيواء في بيروت ومختلف المناطق واقعاً مأساوياً يتجاوز الأزمة المعيشية والاقتصادية المتمثلة في شح المساعدات والخدمات الطبية والغذائية وغياب معظم المنظمات الدولية والمحلية عن القيام بدورها الإنساني.

إن محاولات الحكومة والوزارات المعنية لاستحداث مراكز إيواء جديدة تظل قاصرة عن احتواء حجم الكارثة الإنسانية، خصوصاً في ظل تراجع الاندفاعة المجتمعية لمساعدة وإغاثة النازحين من قبل بعض الأوساط والمؤسسات الخاصة. ويأتي هذا التراجع مدفوعاً بسجالات سياسية وإعلامية حادة تسعى إلى تحميل المقاومة المسؤولية الكاملة عن استدراج العدو الإسرائيلي لشن هذه الحرب التدميرية، والتعامل مع النازحين من الطائفة الشيعية بصفتهم كتلة حزبية متجانسة تمثل الحاضنة الشعبية للثنائي، دون تفريق بين المواطن العادي المدني وبين الانتماءات التنظيمية الحزبية.

تساهم هذه السجالات الإعلامية والتشنجات السياسية في إضعاف الحس الوطني والإنساني الذي يفترض أن يرتفع منسوبه في أوقات الحروب والأزمات الوجودية لحماية السلم الأهلي والتماسك المجتمعي. وبينما تعكس القواعد الشعبية والناس العاديون في مختلف المناطق وعياً وتضامناً عفوياً لاستضافة إخوانهم في الوطن، يفتقد بعض الساسة والعديد من المؤسسات الإعلامية والخاصة لهذا الواجب الوطني، حيث يطغى على خطابهم طابع التهميش والعداء والتنكر للهوية المشتركة.

وتصل هذه التوجهات في بعض الكواليس السياسية إلى حد طرح أفكار غريبة تمس بجوهر الميثاقية والعيش المشترك، مثل الترويج لتسهيل هجرة وترحيل قسم من المكون الشيعي المتضرر نحو العراق كحل دائم للتخلص من الأعباء الديموغرافية والاجتماعية الناجمة عن مسح القرى الجنوبية، وهو ما يمثل أزمة أخلاقية وثقافية عميقة تضاف إلى وحشية العدو وتهديداته لتزيد من تعقيد أزمة النزوح الداخلية.

رغم هذه التحديات الرهيبة، يسعى الموقف اللبناني الرسمي إلى إبداء قدر كبير من التماسك من خلال التنسيق الوثيق والتعاون الدائم بين أركان السلطة السياسية، لاسيما بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، وبالتكامل مع القوى الوطنية الفاعلة.

ويتقاطع هذا التنسيق حول ثوابت واضحة يقودها أركان الدولة على المستوى الدبلوماسي، وترتكز على ضرورة وقف إطلاق النار الفوري والتطبيق الشامل والمتوازن للقرار الدولي رقم ١٧٠١، بما يضمن الانسحاب الكامل لقوات العدو الإسرائيلي من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة، ورفض تثبيت أي أحزمة أمنية أو مناطق عازلة تنتهك السيادة الوطنية.

كما تشدد الدولة اللبنانية على أن إعادة الإعمار الفورية وتأمين العودة الكريمة للنازحين هي حقوق وطنية غير خاضعة للمساومة أو الشروط المسبقة، وأن مناقشة الاستراتيجية الدفاعية ومستقبل السلاح هي ملفات وطنية داخلية تبحث حصراً على طاولة الحوار الوطني بعيداً عن الإملاءات الخارجية وضغوط الميدان، مع التأكيد على دور الجيش اللبناني كقوة شرعية أساسية تبسط سلطة القانون وتحمي الحدود بالشراكة مع القوات الدولية.

تتجه الأوضاع في لبنان نحو سيناريوهات حاسمة ترسم ملامح المرحلة المقبلة بناءً على تقاطع الحسابات والتوقعات المتصادمة لمختلف الأطراف المعنية بالأزمة في شهر أيار الحالي:

▪️︎ أولاً، يتوقع العدو الإسرائيلي والإدارة الأمريكية أن استمرار الضغط العسكري المكثف على الجبهة الجنوبية، مقترناً بتعميق معاناة النازحين وحرمانهم من الدعم لإنتاج سخط شعبي واسع، سيجبر المفاوض اللبناني في جولة واشنطن الثالثة على توقيع اتفاق يفرض تراجعاً عسكرياً شاملاً وتفكيكاً للقدرات التسليحية المستقلة، مع تسليم المواقع الحدودية للجيش اللبناني تحت رقابة دولية صارمة ومباشرة، لضمان أمن المستوطنات الشمالية بشكل دائم ومستقر.

▪️︎ ثانياً، تتركز حسابات السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والحكومة اللبنانية حول توقع إمكانية الوصول إلى حل دبلوماسي برعاية دولية يضمن الحفاظ على هيكل الدولة ومؤسساتها الأمنية والدستورية من الانهيار الكامل أو الانزلاق نحو مواجهات داخلية. وتأمل السلطة الرسمية أن يؤدي الضغط الدولي المتزايد من العواصم الصديقة إلى إقناع واشنطن بضرورة فصل ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار عن الشروط السياسية المسبقة، والتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار يقترن بنشر واسع ومعزز للجيش اللبناني في الجنوب بالتعاون مع القوات الدولية لحفظ السيادة الوطنية.

▪️︎ ثالثاً، تتوقع طهران في إطار محادثاتها الإقليمية في باكستان إمكانية التوصل إلى تسوية كبرى مع واشنطن، تتضمن تقديم تسهيلات لترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان تشمل إعادة انتشار عسكري، شريطة أن تضمن هذه المقايضة حماية النظام الإيراني من الاستهداف العسكري المباشر، وتخفيف العقوبات المالية المفروضة عليه، مع الحفاظ على التمثيل السياسي والدستوري الشرعي للمكون الشيعي في بنية النظام اللبناني دون تعرضه للإقصاء أو الكسر الداخلي من قبل الخصوم السياسيين.

▪️︎ رابعاً، يراهن الثنائي الوطني وقوى المقاومة على أن صمود المقاتلين في الميدان وتوجيه ضربات نوعية لخطوط تقدم قوات العدو الإسرائيلي سيمنعها من تثبيت تواجدها البري المستقر، مما يفرغ الاندفاعة العدوانية من محتواها العسكري بمرور الوقت ويجعل كلفة الاحتلال باهظة جداً.

ويتوقع الثنائي أن هذا الصمود الميداني، بالتوازي مع الدبلوماسية الرسمية، سيفرض في نهاية المطاف مخرجاً وسطاً يضمن تطبيقاً متوازناً للقرار ١٧٠١ مع التزام دولي بتمويل شامل لإعادة الإعمار، مع إبقاء ملف القدرات الدفاعية شأناً داخلياً يناقش لاحقاً ضمن استراتيجية دفاعية وطنية تحفظ توازنات النظام اللبناني.

إن استشراف هذه المسارات يؤكد أن الجنوب اللبناني يقف اليوم في قلب عاصفة إقليمية ودولية كبرى تختبر متانة نسيجه الاجتماعي وصلابة موقفه السيادي.

ورغم فداحة التضحيات وحجم الدمار والتهجير الذي يفرضه العدو الإسرائيلي، يبقى التمسك بالثوابت الوطنية والتنسيق الوثيق بين أركان الدولة هو الصمام الحقيقي لحماية الكيان واستعادة السيادة الكاملة.

إن مواجهة هذه المرحلة الحرجة تتطلب ترفعاً كاملاً عن خطابات التفرقة والتصنيف والعداء الإنساني الداخلي، والوعي بأن حماية التماسك المجتمعي والسلم الأهلي هي الحصن الأساسي الذي يقوي الموقف اللبناني المفاوض، ويضمن بقاء لبنان وطناً لجميع أبنائه تحت كنف مؤسساته الشرعية الدستورية الحاضنة للجميع دون استثناء أو إقصاء.

https://hura7.com/?p=78877

الأكثر قراءة