
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح
صحيح أن مشهد الحشد العسكري الأميركي نحو الشرق الأوسط المتعاظم ساعة بعد أخرى غير مسبوق، وأن تأجيل الحرب الأميركية ضد نظام الملالي غير مفتوح، إلاّ إذا تم تلبية الشروط الأميركية التي تحدث عنها ويتكوف وهي أربعة أ- لاتخصيب لليورانيوم، ب – وقف إنتاج الصواريخ وخفض المخزون، ج- تسليم المخزون النووي المخصب، د- التخلي عن الوكلاء أو توقع الأسوأ. شروط توازي الهزيمة مقابل عدم إطلاق طلقة واحدة.. لكن المشهد اللبناني كان في مكان آخر!
حمل المشهد اللبناني تسمية السيدة غراسيا القزي!
ومع حديث أعلى مرجع رسمي عن ثقته بإستعادة ثقة المواطنين، إستقطب “الإنجاز” الحكومي بتعيين غراسيا القزي مديرة عامة للجمارك، غضب المواطنين. مواطنون مثل أهالي ضحايا جريمة تفجير المرفأ ومعهم عائلات نحو 7 آلاف جريح، ومئات الآلاف ممن تضرروا ومنهم من فقدوا منازلهم وتهجروا، وبالتأكيد يضاف إليهم مئات الألوف من مواطنينا ممن لا يزالون يعيشون “تروما” تلك اللحظات عشية يوم 4 آب2020.. فوجدوا بقرار التعيين سابقة خارج كل التوقعات. فالسيدة قزي واحدة من المدعى عليهم في المسؤولية عن جريمة تفجير المرفأ. هي كعضو في المجلس الأعلى للجمارك، كانت تعرف عن تخزين وسادة الموت، نيترات الأمونيوم، ولم تفعل شيئاً. وكانت أحد الذين إستدعاهم المحقق العدلي طارق البيطار إلى التحقيق يوم 16 كانون الثاني 2025 أي قبل عام من اليوم. قزي مدعى عليها في جريمة تفجير بيروت!
أيضاً وأيضاً مع تأكد أهل الحل والربط من معلوماتهم عن إستعادة الثقة الشعبية، إستقطب “إنجاز” حكومة “الإصلاح والإنقاذ”، غضب وحنق أوسع الأوساط من الموجوعين المنهوبين، الذين لم يستوعبوا بعد، ولن يستوعبوا، ضربة مشروع قانون “الفجوة” المالية الذي يكرس الإفلات من العقاب ويبيح اللصوصية وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع، حتى هالهم “الإنجاز” الجديد الذي قضى بتعيين مدعى عليها بتهم فساد ورشاوى ثابتة وملاحقة من القضاء، في موقع الإشراف والمسؤولية عن المال العام…!!
السيدة قزي مدعى عليها بالفساد منذ العام 2019، وهي من القلائل الذين وافقت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان على رفع السرية عن حساباتها المصرفية بناء على طلب القضاء عام 2019 قبل تعديل قانون السرية المصرفية، فتبين أنها تملكت الشقق في قبرص واليونان ولديها رصيد عالي فتم كف يدها ومنعت من السفر لكن التدخل السياسي من جانب حزب القوات، وإلتقاء المصالح بين القوى الطائفية مع نبيه بري، جمّد المحاسبة لكنه لم ينجح في إقفال الملف!
حكومة “الإصلاح والإنقاذ” التي لم تنفك تمدح نفسها وربما تضع هذا “الإنجاز” في سياق وضع لبنان على السكة الصحيحة وركوب قطار بناء دولة المؤسسات(..) توجت بهذا التعيين منحى الإستخفاف بمعايير النزاهة والشفافية ما ينبيء أن الثابت هو نهج عدم المحاسبة وتكريس الإفلات من العقاب. إنها في هذا التعيين في الفئة الأولى لموظف بحقه ملاحقات جزائية في قضايا كبرى نتج عنها سقوط ضحايا وترميد قلب العاصمة وإستباحة المال العام، لم تقدم على خطوة غير أخلاقية وحسب، بل إعتدت عن سابق تصور وتصميم على عمل السلطة القضائية، فإستبقت القضاء وضغطت بالتعيين ليأتي الحكم على شاكلة التعيين!
وبعد، أتحف وزير الإعلام المتابعين، عندما ربط التعيين ب”قرينة البراءة” كون الأحكام بحق القزي لم تصدر بعد.. ويبدو أن هذا العنوان كان في قلب نقاش جلسة حكومة “الإنقاذ والإصلاح”، وغريب الأمر أن يتم التعيين مع توسع غير مسبوق لهذا المفهوم، بحضور الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية رئيس الحكومة وكذلك وزير العدل. إبشروا!
القرار معيب جداً ولا أخلاقي، والزغاريد التي أطلقت إثر التعيين في إحتفال المدعى عليها بعد المكافأة على فسادها، وتوجيهها الشكر لرئيس الجمهورية، لن يغطي مطلقاً على صرخات الأمهات الذين لن يتخلوا عن مطلب محاسبة كل المرتكبين من أعلى الهرم ونزولاً.. أما عن “قرينة البراءة” فقد فند هذا الطرح د. علي مراد بقوله: ” إنها ضمانة تمارس أمام القضاء وخلال المحاكمات لحماية الأفراد من الإدانة قبل صدور حكم نهائي”. مضيفاً أن “هذا المبدأ لا يمكن تجاوز حدوده خارج المجال القضائي لتبرير قرارات إدارية ولا سيما بما يتصل بالتعيين أو الترقية في مواقع السلطة العامة ذات الطابع السيادي أو المالي كالجمارك”. ومؤكداً أن ” الوظيفة العامة ليست إمتيازاً شخصياً بل موقع ثقة ومسؤولية تقاس معاييره بمدى النزاهة وتجنب الشبهة. ومن هذا المنطلق لا يمكن الإستناد إلى قرينة البراءة لتبرير التعيين في سياقٍ قضائي بالغ الحساسية ومرتبط بأكبر كارثة وطنية كإنفجار 4 آب أو ملاحقات مرتبطة بشبهات فساد”.
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


