جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح

تتزاحم الأحداث، وتتكثف الضغوط على المواطنين ويتعمق الوجع. جنازات جماعية في طرابلس وموت في الجنوب ودمار يملاء الفضاء العام. العام المنصرم من عمر ولاية ما بعد زلزال المنطقة وزلزال لبنان كان عن حق عام الخيبة.. وممارسات مطلع العام الجديد تفاقمها. وإنقاذ لبنان واللبنانيين هو من جهة رهن الإنقاذ من سرديات نعيم قاسم الذي في آخر تجلياته إدعى ان “المقاومة” أنقذت لبنان(..) وبعدما طمأن جمهوره المسحور بأن العدو في أضعف حالاته(..) أفتى بأن المقاولة “مكفولة بالدستور”. ومن الجهة بكسر منحى رسمي ممتنع عن المحاسبة والمساءلة ما يفضي إلى تأبيد الفساد!
في هذا التوقيت مقلق ومريب التردد بشأن المرحلة الثانية من خطة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة وتشمل ما بين الليطاني والأولي. فتأخير القرار الحكومي وتالياً تأخير التنفيذ، يعني أن خطراً حقيقياً يهدد إنعقاد المؤتمر الدولي لدعم الجيش المزمع عقده في 5 آذار. ويعني أن التبعات على الناس ستكون قاسية لأن في التأخير تعامياً عن المسؤولية بوضع حدٍ للإستباحة الصهيونية التي تضاعف التدمير والتهجير من شمال الليطاني. إن إستكمال نزع كل السلاح، كما حل البنى العسكرية وتلك التي تتغطى برداء كشفي ممر الزامي لإستعادة الدولة لقدراتها لمواجهة التحديات. السلاح خارج الدولة، عنوان ضعف للبلد وتجدد عزلته!
بين أبرز ما يواجهه لبنان الإنتخابات التي ستتم وفق “أسوأ قانون” والتوصيف لرئيس الحكومة نواف سلام الذي تقاعس عن تقديم البديل، ما يعني أن منظومة الفساد والإستبداد ستأخذ البلد إلى تزوير فظ لإرادة الناخبين لتجديد شرعيتها القانونية التي لا تعني شرعية شعبية( هذا الموضوع سيكون في موقع المتابعة في اليوميات المقبلة). لكن ما يوجب التوقف عنده الآن كارثة طرابلس وكيفية التعاطي معها، ونصبة التفرغ في الجامعة اللبنانية التي تستحق تسمية رشوة إنتخابية قدمتها حكومة الإصلاح والإنقاذ لمنظومة الفساد!
1— عن طرابلس: بعد التفجير الهيولي الذي دمر المرفأ وقلب العاصمة قال ميشال عون أن التقرير الذي حذّر من هذا الخطر وصله قبل أسبوعين، وإستطرد بالفرنسية أنه وقت قصير لم يستطع فعل أي شيء، فكان أن تُرك الناس ينامون وتحت وسادتهم قنبلة نووية!
بين إنهيار المبنى الأول في القبة والمبنى الثاني مرّ نحو أسبوعين ماذا فعلت خلالهما السلطة؟ ماذا فعلت الأجهزة المعنية المسؤولة عن حماية أرواح الناس؟ واقعياً لو باشرت التحقيق بالمسؤوليات، لو باشرت الإخلاء، لو بدأت تأمين أماكن إيواء ربما كان بالإمكان تجنب كارثة قتل 15 مواطناً، خصوصاً وأن المباني لا تنهار بشكل فجائي بل بعد بروز تشققات وصدوع تأخذ وقتاً!
بعد الإنهيار الثاني أخذت الحكومة جملة قرارات لبدء معالجة وضع آخذ بالتفاقم، ثرارات مقبولة لكنها تعالج كارثة في الأفق بالمسكنات. طرابلس كبداية بحاجة لمشروع تنموي كبير، في منطقة تحلق فيها كل يوم نسب الفقر والعوز. مشروع من ضمنه معالجة غابة إسمنتية بدأت أواخر أربعينات القرن الماضي، وتوسعت عشوائياً في الخمسينات والستينات لإستيعاب أبناء الأرياف، ولاسيما عكار والضنية، الذين قصدوها بحثاً عن لقمة العيش. وهذه الغابة لم تحترم الحد الأدنى من المواصفات إن بالمواد المستخدمة أو كذلك لجهة الصيانة وأيضاً لجهة عدم إضافة طبقات عليها بشكل دوري. الأرقام تتحدث عن نحو 4 آلاف مبنى بحاجة للمعالجة بينها قرابة الألف في مرحلة الخطر وأكثر من 100 ينبغي هدمها. هذا الهم لا يعالج من خلال التدابير التي تقررت في إجتماع السراي، بل طرابلس تستحق وأهالي طرابلس يستحقون موازنة كافية تنفذها جهات إختصاص موثوق كي لا يكون مصيرها السرقة.
لكن الموازنة الجائرة لم تخصص شيئاً للمدينة التي تعيش أكبر مفارقة: فيها أثرى أثرياء البلد من جهة والمدينة الأكثر فقراً وعوزاً على كل ساحل المتوسط من جهة أخرى!
هنا نفتح مزدوجين لنشير إلى كذبة توازن الموازنة. لا ليست متوازنة بشكل عادل، بل هي متوازنة من حيث الحرمان. لا شيء لطرابلس والشمال حيث النكبة كبيرة، لا شيء لسداد موجبات الدولة للضمان، وتجاهلت تلبية الوعود للمتقاعدين والمتعاقدين والقطاع العام، الذي بعجره وبجره منع سقوط الهيكل العام للدولة، وكذلك الدين المترتب على شحنات النفط العراقي. قدمت الحكومة موازنة كاذبة وأقرها برلمان العجز عن القيام بالحد الأدنى من مسؤولياته، بل يتقدم الصفوف لتشريع حصانات تحمي اللصوصية والفساد! لكن الأموال موجودة والجباية لا تتوقف والرسوم غير المباشرة جائرة على العامة لكن المتراكم في حساب السلطة حوالي 9 مليار دولار ممنوع إستخدامه، أو إستخدام بعضه، لأن السلطة المالية والنقدية تكرر النموذج الذي إرتكبه رياض سلامة بتثبيت كاذب لسعر الصرف فتتحول الجباية إلى خوة!
2— عن نصبة التفرغ في الجامعة اللبنانية. عندما سئلت وزيرة التربية ما إذا كانت ترضى أن يطبق ملف التفرغ على الجامعة الأميركية، جامعتها حيث تدرس، كان ردها مباشر: لا ما برضى؟ لكن معاليها، الشخصية الأكاديمية، إرتضت السير بملف مدمر للجامعة الوطنية، ملك لكل الشعب اللبناني. وإرتضت معها الحكومة الذهاب بعيداً في أخطر محاصصة زبائنية للقوى الطائفية. فعلاً السؤال محير كيف مرّ ذلك في حكومة تضم إلى جانب رئيسها نواف سلام وزراء مثل طارق متري وغسان سلامة؟
حاجة الجامعة كانت تقتضي تفريغ 600 إستاذ والبعض يقول ربما 700، ورسى البازار مع الوزير السابق على 1200 إستاذ، لكن إسوة بما حصل عشية إنتخابات العام 2018 في الأجيرو، تم نفخ التفرغ إلى رقم 1690 إستاذاً، ليلتقي العارفون بشؤون الجامعة كما العديد من الإختصاصيين على القول أن أعداداً من هؤلاء لا يحملون المؤهلات التعليمية، وعدد غير قليل ينفذ عقود عمل خارج لبنان، ولا يمكن تأمين نصاب لهؤلاء وإن قيل أن التفرغ سيتم على مراحل! إنها الإنتخابات والحكومة صاغرة أمام متطلبات قواها إنتخابياً. إنها رشوة مفضوحة للناخبين، ولتدمر الجامعة الوطنية وليدمر التعليم الرسمي وليقتصر على فئة الأثرياء، والحيف أنه في زمن حكومة نواف سلام وصحبه خصوصاص متري وسلامة، تركت على غاربها معاول هدم الجامعة الوطنية: جامعة فؤاد أفرام البستاني، إدمون نعيم، محمد المجذوب، نزار الزين ، حسن مشرفية، جلبير عاقل، قيصر نصر، زاهية قدورة، إبراهيم الحاج وغيرهم وغيرهم!
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


