جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح

“منين بيتأمنوا ال800 مليون دولار، بدي ياهم اليوم”. القول لدولته نواف سلام!
تتغير الوجوه وتستمر الممارسة إياها. ممارسة مد اليد على جيوب الفقراء والموجوعين المتروكين، وإحكام الحماية على أهل الفساد والنهب، والتعامي عن مزاريب الهدر، التي تصب في جيوب المحظوظين من المتسلطين على الطوائف وكارتلات المصارف والإحتكارات المرتبطة بهم!
ما الفارق بين مد منظومة الفساد يدها على الودائع ونهبها جني أعمار الناس وإفقارها البلد، وقيام الحكومة الواجهة، برئاسة رئيس محكمة العدل الدولية، بتدفيع الفقراء والمتبقي من الشرائح الوسطى، فاتورة إستنكاف السلطة التنفيذية مجتمعة عن جباية حقوق الخزينة والأموال العامة المتروكة للناهبين يراكمون الثروات ويمولون سيطرتهم السياسية؟
بداية حملت القراءة الإقتصادية للقاضي الكبير في تبريره للقرارات الجائرة، إستخفافاً بالعقول والكرامات مع المضي بعيداً في نهج طحن الناس، متجاوزاً أداء أسوأ الحكومات قبل حكومته الواجهة، عندما يدعي أن الضرائب غير المباشرة لا تطال الفئات الفقيرة، ويخبرنا عن الإستعداد لتوسيع برنامج أمان، اي الإستعداد لوضع أكثرية اللبنانيين على قائمة التسول عوض منحهم الحقوق الثابتة لهم. وقبل التوقف عند بعض الجوانب حيث الأموال موجودة، وممنوع جبايتها، لأنها تمس بتحاصص التحالف المافياوي للبلد، والذي تقوم الحكومة الواجهة بحراسته.. فإن أخطر ما جرى هو تعمد السلطة التنفيذية وضع موجوعين بوجه موجوعين بوهم القدرة على تمرير مثل هذا النهج الإجرامي فيرتاح سكان القصور.
هنا تنبغي الإشارة أن رقم 800 مليون دولار يعادل 20% من نفقات الموازنة، فإن كان إعدادها حتى إقرارها تطلب عدة أشهر، فكيف لهذه العبقريات أن تفرض هذه الضرائب خلال أيام ولا تدرجها في الموازنة؟ ثم أن الأمر المتعارف عليه هو جمع الواردات وتحديد سبل إنفاقها. ما من حكومة في العام تقدم على ما أقدمت عليه حكومة الإصلاح المزعوم: ربط الضرائب التي تطال كل اللبنانيين برواتب فئة محددة. إنه عمل جرمي إرتكب في ليل والسؤال هل خلفه نية لتقسيم الموجوعين ودفعهم للصدام فيما بينهم؟
لقد كانت الآمال كبيرة( تبين أنها في غير محلها) بأن حكومة الإصلاح ستقدم مشروع إصلاح ضريبي عادل يكبح الفساد ويعيد توزيع الأعباء الضريبية فتتأمن حماية “اللقمة” المغمسة بعرق الفئات الأضعف.. لكن الإصلاح المزعوم إستنسخ “روشتة” مجربة دمرت الإقتصاد والطبقة الوسطى فإنعدم الإستقرار!
الإقتصادي د توفيق شمبور قال الحلول الحقيقية التي تنقذ البلد موجودة وعرض النموذج التالي: “كان ينبغي فرض ضريبة CRS، التي تفرضها كل الدول بما فيها أميركا، على الإيرادات والأرباح المحققة في الخارج. خصوصاً مع تحويل النخبة مليارات الدولارات إلى الخارج. ويمكن الإستناد في ذلك إلى إتفاقية الGATT: تبادل المعلومات الضريبية التي يشارك فيها لبنان، لكنه يعطي المعلومات للأخرين، ولا يأخذ منهم بالمقابل المعلومات عن المكلفين اللبنانيين الذين نقلوا أموالهم إلى الخارج”. ويكشف د. شمبور أن “عوائد هذه الضريبة سنوياً هي بالحد الأدنى 2 مليار دولار”!
إلى ما إقترحه د. شمبور هناك أمكنة عديدة لتأمين الأموال. لكن بداية ليس القطاع العام هو المسؤول عن الحشو الموجود، وعن أعمال النصب المستمرة في التعيينات وآخرها القرارات التدميرية للجامعة اللبنانية التي تحتاج إلى مابين 600 و700 إستاذ فإذا بالبازار الإنتخابي يرفع العدد إلى 1690 ثم يتجاوز 1900، وبينهم مئات في الخارج ومئات لا يحملون الشهادات المطلوبة، ومستحيل تأمين النصاب المطلوب للإستاذ الجامعي، وقبلهم نصبة اللجان الناظمة ورواتبها الفلكية.. من الآخر القطاع العام، بعجره وبجره، منع سقوط هيكل الدولة، الذي يدمره اليوم وزراء الصدفة! والقطاع العام ليس هو الجهة المسؤولة عن تنقيته بل الحكومة وهيئات الرقابة والمحاسبة ذات الإختصاص وهي موجودة. لذلك فإن إعادة هيكلة القطاع العام ستقدم وفراً لا يقل عن 200 مليون دولار كما يُجمع الخبراء.
أما الأموال المهدورة والتي لا تتم جبايتها عمداً فهي موجودة في :
— ضبط الحدود ومكافحة التهريب والأرقام لا تقل عن ملياري دولار.
— تفعيل الجمارك البرية والبحرية ووضع حد لدجل تعطل السكانر الدوري والأرقام لا تقل عن ملياري دولار.. ولديكم هنا السيدة غراسيا القزي سيدة الجمارك!
— مكافحة التهرب الضريبي والأرقام المقدرة مهولة وتتجاوز ال4 مليار دولار.
— جباية مستحقات الأملاك البحرية والنهرية. متأخرات بالمليارات وعائدات سنوية 400 مليون دولار.
— جباية متأخرات كارتل الموت: مقالع، كسارات وشركات إسمنت. أوقفت تحصيلها وزيرة البيئة الزين والأرقام التي تحددت زمن الوزير السابق ناصر ياسين هي مليارات الدولارات!
وقبل كل ذلك هناك الضريبة التصاعدية والضريبة على الثروة!
وبعد، لأسباب شعبوية وإنتخابية هرعت كتل طائفية حزبية ممثلة في الحكومة إلى إنتقاد هذه الزيادات الجائرة، وطالبت بالرجوع عنها، ومن بين هذه الكتل: القوات اللبنانية(4 وزراء)، الإشتراكي( وزيران)، الثنائي المذهبي أمل وحزب الله(5 وزراء)، حزب الكتائب( وزير)، وكان أحد وزراء رئيس الجمهورية قد تحفظ(مرقص)..فبربكم كيف إذن إتخذت هذه القرارات الجائرة؟ كفى شعبوية، كلن يعني كلن، شركاء بهذه القرارات الخطيرة والمدمرة.
لهؤلاء الوزراء الذين راحوا يعترضون على قرارات حكومة هم عصبها الحقيقي، نذكرهم بعبارة السياسي الفرنسي الشهير جان بيار شوفنمون الذي إزدرأ هذا النوع من الممارسة المبتذلة فقال: “على الوزير أن يخرس، وإذا شاء أن يفتح فمه عليه أن يستقيل”!
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


