جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح

قال رئيس مجلس النواب الأميركي الجمهوري أن خسارة حزبه الهشة للبرلمان في إنتخابات تشرين الثاني المقبل ستعني “نهاية حقبة الرئيس ترمب”. وقال ستيف ويتكوف وزير الخارجية شبه المباشر للرئيس ترمب أن رئيسه “مندهش من عدم إستسلام رجال الدين الحاكمين في طهران، رغم معاينتهم الحشود العسكرية الهائلة حول إيران”. وقال وزير خارجية عمان أن جولة مباحثات جنيف شهدت “إنفتاحاً غير مسبوق”.
لكن مع تحديد موعد لمفاوضات تقنية في فيينا،يليها جولة جديدة، يبدو أن التفاوض يتجه نحو مسارات طويلة رغم أن اليد الأميركية على الزناد. لكن واشنطن تعلم وطهران تعرف أن “ديبلوماسية السفن الحربية”، ومعها كل هذا الحشد الجوي، خصوصاً تمركز طائرات “آف 22” في المطارات الإسرائيلية، قد لا تكون فاعلة كما كان الأمر في القرنين ال19 وال20، لأن الحرب لا تنتهي بإعلان أحد الطرفين الإنتصار بل بإعتراف الآخر بالهزيمة..ولأنه لا دلالات مطلقاً على غزو مشابه لما كان في أفغانستان والعراق، فملالي طهران يعتبرون أنه بالإمكان إستيعاب حجم الضربة، أو الضربات الأميركية، رغم ما ستنزله بإيران من خسائر جسيمة، لكن الضربات من الخارج ستكون أعجز من تقويض النظام، وإن سيكون مرغماً أكثر فأكثر على الإنكفاء إلى الداخل الإيراني!
من كل ذلك يعرف الرئيس ترمب أن إنتصاراً كبيراً وسريعاً ‘لى “تظام العبوات الناسفة” ليس بمتناول اليد.. رغم النجاح غير المحدود برسم حدود أدوار بلدان المنطقة والسياسات الجديدة التي ستعتمد، وها هي تغريدة من ترمب توقف قطار عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء في العراق! وما بين الرغبات الترمبية والقدرة الإيرانية على المراوغة وشراء الوقت، علماً أن “الآرمادا” الأميركية الأكبر في المنطقة منذ الحرب على العراق ستطلق النار في توقيت يحدده ترمب .. فنحن في لبنان في موقع تلقي النتائج. شئنا أم أبينا، فبلدنا بحكم وجود وكيل لنظام الملالي، حزب الله، رغم الإنحسار الشديد في قوته، تحت الضربات الإسرائيلية المدمرة والمستمرة دون توقف، فتلحق ببقايا قوته الضرر الفادح وتنزل بلبنان الدمار الكبير، وهذا هو الهدف الأبرز للعدو الذي يعمل لمنع قيامة البلد، مستفيداً من “مقاومة” صوتية يتقنها حزب الله الذي يتحرك على ريموت كونترول إيراني!
طهران تريد من وكيلها مرة رفع السقف خدمة لمفاوضها ومرة أخرى خفضه تبعاً للمعطيات، إنها تحتفظ بشيءٍ من وحدة الساحات ما يعني بقاء ربط البلد بالقرار الإيراني ، ولبنان يدفع خسائر فلكية. يسقط كل يوم المزيد من الضحايا، ويتضاعف الدمار ويزداد هذه الأيام بين شمال الليطاني والبقاع الذي شهد مجدداً يوم أمس موجة غارات مدمرة.. لكن اهل الحل والربط عندنا ماذا يفعلون؟ رئيس الحكومة نواف سلام جدد ليلاً تأكيده المضي بتنفيذ خطة الجيش لحصر السلاح خلال أربعة أشهر “إذا توافرت الظروف”(..) والظروف، كما يبدو، ليست مرتبطة فقط بحجم المساعدات العسكرية التي يأمل لبنان الحصول عليها من مؤتمر باريس يوم 5 آذار المقبل، وقد تكون متواضعة ومرتبطة بظروف الأرض اللبنانية، بل بالجدية السياسية في تنفيذ الأجندة التي إرتسمت منذ وصول الثنائي جوزيف عون ونواف سلام إلى رئاستي الجمهورية والحكومة.
وسط هذا المشهد تمت الدعوة إلى عقد إستثنائي لمجلس النواب بين 2 آذار و16 منه، وحدد مرسوم العقد الإستثنائي جدول الأعمال “بمشاريع القوانين المحالة على المجلس وما سيقرره مكتب المجلس”، ما طرح الأسئلة عن إحتمال تخريجة ما بين بعبدا وعين التينة تطال موضوع الإنتخابات خصوصاً وأن عون وبري مع إجراء الإنتخابات في الموعد الدستوري(..) وربما مع بعض التأجيل التقني لشهرين مثلاً، بمعزل عما سينجم عنها إذ يرفض الثنائي المذهبي ومعه التيار العوني المساواة بين الناخبين في الداخل والخارج وإصرار على إجراء الإنتخابات في ظل السلاح، أي في ظلِّ الترهيب والترغيب وهيمنة السلاح، لمصادرة الإنتخابات وتعليب نتائجها نتيجة عدم تحرير أصوات المقترعين
نعم هذا المنحى لإجراء الإنتخابات، وفق أسوأ قانون، عاد يتقدم، رغم رأي هيئة الإستشارات في وزارة العدل. ومن الدلائل ما يتردد أن تيار المستقبل إنتقل من عبارة سعد الحريري :”خبروني أيمتى الإنتخابات بخبركن شو موقف المستقبل”، إلى دعوة داخلية لأسماء ووجوه مؤيدة للمستقبل لتقديم طلبات الترشح للإنتخابات في بحر الأسبوع الطالع.. والمؤشرات تشي بإستخدام كل إمكانات السلطة، دولة عميقة ودولة فايشة ومفككة، لإنجاز إنتخابات تمنع وضع لبنان على سكة إصلاح جدي، بعدما أضاعت الحكومة السلامية 13 شهراً طغى على سياستها المثل المصري: “أسمع كلامك يعجبني أشوف أعمالك إتعجب”!
في هذا التوقيت ينبغي الإقرار بأن الناس تسمع صوتاً واحداً. هو نفسه. حصر السلاح ويقابله التمسك بالسلاح، والعدو يدمر البلد ومعه المتبقي من السلاح. ويغيب عمداً وضعفاً وجبناً الصوت الآخر، الصوت الداعي لمكافحة الفساد، صوت محاكاة وجع الناس، صوت التشديد على إستعادة الحقوق وإنصاف الناس ووقف نهج الإذلال، صوت الإصرار على العدالة للبنانيين كافة: ضحايا الإجرام الإسرائيلي والأعداد المتزايدة من المهجرين المبعدين عن قراهم والممنوع عودتهم، ضحايا جريمة تفجير المرفأ وترميد قلب العاصمة، ضحايا المنهبة التي طالت أكثر من مليون مودع فقدوا جني العمر، وتعمل السلطة بكل أطرافها وقوى التحاصص الطائفي فيها لتدفيع عامة اللبنانيين ثمن المنهبة، والأخطر لإستكمالها بالسطو على إحتياط الذهب وتسييله تغطية لمرتكبين مافياويين مكانهم الحقيقي خلف القضبان في أي دولة طبيعية.
إبشروا إنها إنتخابات إستكمال الإنهيار الكارثي لقوننته وتكريس لبنان رصيف هجرة لشبابه وشاباته وجعل البلد مجرد أرض بلا شعب.. هل هناك من أم صبي ترفع صوتها؟!
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


