جريدة الحرة بيروت
بقلم: حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح

الإنسداد!
لا أفق للبحث بحل ما للحرب الإيرانية الإسرائيلية التي تدور على أرض لبنان. حرب تطحن البلد وتبيد المدنيين وتقتلع المواطنين في أضخم تهجير جماعي، يندرج في سياق مخطط يهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي في النسيج اللبناني، مقابل عودة الإحتلال، إلى أرضٍ محروقة وعلى ركام دمار كامل في جنوب الليطاني. نكبة لم يعرفها البلد من قبل يُسأل عن المسؤولية عنها بداية حزب السلاح الإيراني، وثانياً السلطة الجديدة وقد ضيعت ربع الولاية تقريباً(14 شهراً)، ولم تنجز خطوة جدية على طريق إستعادة الدولة المخطوفة وإستعادة قرارها ليتبين أن قرار الحرب والسلم بيد إسرائيل وإيران، ما التهديد بتضييع أهم الفرص على قيامة لبنان!
لقد حددت طهران مهام الميليشيا العسكرية الأمنية المسماة حزب الله، منذ إعلان التأسيس في 16 شباط 1985، بأن الولاء للولي الفقيه “الحائز الشرائط الشرعية”، وأن الهدف في لبنان “إقامة الجمهورية الإسلامية”، ودور “المقاولة” هنا محوري على الطريق إلى هذا الهدف الكبير. ولم يكن يوماً هذا الولاء الأعمى، ولا الهدف الخطير، مغطى بأي قشور، فذهبت منظومة الفساد والتسلط والتبعية للخارج إلى تنفيذ إملاآت التساكن مع السلاح وحزبه، وكم شهد الناس من تهليل للقدرة على تشريع “المقاومة” إثر حرب “عناقيد الغضب” في العام 1986. وإستمر هذا المنحى أكثر من عقدين من الزمن ليصبح وضع لبنان بعد تنصيب ميشال عون رئيساً أشبه بغرفة زجاج تم إدخال الفيل إليها!
جاءت السلطة الجديدة على أجندة واضحة تضمنها إتفاق وقف الأعمال العدائية الذي فاوض بشأنه نبيه بري، وأيده بالصورة والصوت نعيم قاسم، وبصمت عليه حكومة حزب الله برئاسة ميقاتي. والإتفاق ينص في مقدمته على نزع السلاح اللاشرعي من كل لبنان وأن يتم حصره بأيدي 6 جهات رسمية تحددت بالإسم: الجيش، قوى الأمن الداخلي، أمن الدولة، الأمن العام، الجمارك والشرطة البلدية. وقال الإتفاق بتفكيك البنى العسكرية، وما حدن يهلوس بأخبار عن أن الميليشيا التي يقودها ضباط الحرس الثوري، وهي مكون كبير في فيلق القدس الإيراني، قد إلتزمت(..) الإلتزام الحقيقي هو بتسليم السلاح وهذا لم يحصل إلاّ جزئياً، وقد إفتقر للدقة كل ما قيل على لسان كبار المسؤولين، وباسم مجلس الوزراء، عن جمع السلاح بنسبة تصل إلى 90% في جنوب الليطاني والإمساك العملاني بالأرض، وأنه تم إحتواء السلاح شمال الليطاني!
ضاع الكثير على لبنان في الأشهر ال14 الماضية. ولا يمكن التهرب من المسؤولية. فالسلطة الجديدة التي حازت أكبر تسونامي شعبي مؤيد، إستند على الآمال الكبيرة التي حملها خطاب القسم والبيان الوزاري، خذلت اللبنانيين وفقدت تباعاً الدعم الخارجي. لا بل إنه من لحظة إطلاق صواريخ الغدر فجر الثاني من آذار تحولت القرارات التاريخية للحكومة، إلى حبرٍ على ورق، لأن حزب السلاح وبقرار من الحرس الثوري أخذ لبنان إلى الحرب ضد أميركا وضد دول الخليج التي تعتدي عليها الدولة الفارسية المارقة كل يوم!
الأسوأ ينتظر لبنان ولا سقف للتصعيد والإبادة والإقتلاع القسري الآخذ بالإتساع. زيارة جان نويل بارو، وزير خارجية فرنسا، لبيروت وتل أبيب، أظهرت إستحالة أي إتفاق لعدم توسيع الحرب، ولم يحصل بارو من إسرائيل على أي معلومة بشأن المدى الزمني للحرب، ولا البعد الجغرافي ولا مدى التوغل الإسرائيلي.. وأظهرت أن لبنان الرسمي قد يكون في مكانٍ ما مستنكف عن خطوات، تشي بقدرة التحرك في مساحة معينة على طريق نزع السلاح وإعادة الإستقرار، على ما يلوح في الأفق، بضوء تخوين السلطة والتجبر في تحديها والتهديد بمعاقبتها، وتعليق المشانق لكل من لا يرى رأي التنظيم الإيراني، والذهاب بعيداً في مناخ التوتير لمنع طرح الأسئلة الحقيقية عن مسؤولية حزب الله عن هذه النكبة التي ما زال لبنان في بدايتها!
في السياق، بيروت في عين العاصفة. ماذا يعني تعامي السلطة عن مخيمات مفتعلة في الواجهة البحرية وجنوب شرقي العاصمة والإمتناع عن نقل المهجرين قسراً إلى مراكز إيواء بإشراف السلطة؟ وبأي حق يسمح لحزب الله تحطيم وإزالة كاميرات المراقبة من البسطة التحتا وخندق الغميق وزقاق البلاط حتى النويري، فهل يتم تحويل قلب بيروت إلى مربع أمني لقوة عسكرية محظورة رسمياً وخارجة عن القانون؟
بوسع السلطة القيام بخطوات إن لجهة نزع السلاح في بعض مناطق ساحل المتن الجنوبي فتحوز دعوتها إلى الحوار مصداقية أكبر، أو لفرض الأمن والأمان والإستقرار في العاصمة بيروت التي تحتضن نحو 400 ألف من المهجرين. القرار السريع مطلوب اليوم قبل الغد، وإنزال الجيش بكثافة، لا ينبغي أن يكون موضع أخذٍ ورد، وكل شيء تحت عيون الناس وعيون العالم. وأغلب الظن أن كبار المسؤولين توقفوا جيداً عند المواقف التي أطلقها السفير الأميركي ميشال عيسى من بكركي: “أنا أعتقد أن إسرائيل قررت أنها لن توقف ضرباتها، فهذا يعني أن على لبنان أن يقرر هل بإمكانه الاجتماع مع الإسرائيلي في هذه الحال”؟ وأضاف: “سنحاول إيقاف الحرب في لبنان والطلب من جميع المسؤولين هنا أن يتخذوا القرار الذي يساعد بالوصول الى هذا الحل”.
وفي تقييم دور الجيش وقدراته من جانب واشنطن وما يمكن أن يقوم به وبداءً من بيروت قال السفير: “نحن نعرف حجم قدرة الجيش، ونعرف أن لديه المقدرة إذا قرر أن يقوم بما يجب عليه القيام به، وفي نفس الوقت نحن لا نعيش على القمر ونعرف أن لكل واحد مقدرة معينة، ولكن الأصل أن يقوم الجيش بما هو مطلوب منه وفي الوقت الحاضر نحن بالانتظار”.
وبعد البعد، وسط كل هذا الظلام يعلن أبو العز (عزت العبدالله) من قلب النبطية أنه باقٍ في شقته في النبطية ويتساءل: هل هو صمود؟ أو خوف من السرقة أو خوف على زرع سيموت حتماً، أو مكابرة أو رفض داخلي لفكرة التخلي عن الأرض.. ويسأل لماذا لم أرحل وأستوطن وسائل التواصل الإجتماعي أستمتع بالإنتصارات أو أتألم وربما أبقى مهجراً لأن لا ضمانة من وجود منزل؟ ويقول أبو العز الصامد في منزله المتواضع: “أكثر ما يزعجني هو داعمي الحرب والدمار ممن يعيشون في أصقاع العالم”!
ومن هناك في واحدة من المستشفيات القليلة يطل الحكيم إبراهيم فرج الذي يفترش البلاط، يداوي الجراح، وهو الجراح الماهر الذي كان يمكن أن يكون في أي مكان آخر، لكنه كما في كل مسيرته يجسد في أخطر وضع صعب مدى حبه للأرض والناس، ويردد مع الجواهري شاعر العراق والعرب الأكبر:
“أتعلم أم أنت لا تعلم/ بأن جراح الضحايا فمُ/ فمٌ ليس كالمدعي قوله/ وليس كآخر يسترحمُ..”
عزت وإبراهيم أنتما القدوة، كونا بخير!
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


