الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

لبنان ـ في صبيحة اليوم ال2395 على بدء ثورة الكرامة

جريدة الحرة بيروت

بقلم: حنا صالح  مدونة الكاتب حنا صالح

سنفكر، سنقرر، سنعمل، سنتخذ، س…ننفذ.

كم هو لئيم حرف السين. يجعل الأفق مفتوحاً أمام الوعد، وعندما يكون محور حديث المسؤول تحل الخيبة. هكذا يتم التعاطي مع قضايا البلد وما يهم عامة الناس، فتشكل اللغة مظلة للتبرير: قرارات مجلس الوزراء ستنفذ، وبينها الأهم:”بيروت آمنة خالية من السلاح”. طيب متى يبدأ التنفيذ؟ فيأتي الجواب إنه مسار؟

يمثل السلاح اللاشرعي لحزب السلاح الإيراني معضلة. لكن هذه المعضلة لا تقتصر على السلاح، بل هي بنية تم نسجها ما بعد العام 2000، لتتخذ أشكالاً متعددة داخل إدارات الدولة، ما منح هذا التنظيم نفوذاً كبيراً. عندما يكون هناك شبه إجماع بأن الحزب تغلغل داخل المؤسسات العامة، لا يعود مستغرباً وقوع السلطة عموماً تحت وطأة شبكة نفوذ دفعت وظائف السلطة لأن تكون بخدمة هذه القوة. وعلى سبيل المثال، يمكن التوقف عند قرارات إتخذتها مؤخراً المحكمة العسكرية، وقضت بترك مسلحين خرقوا عمداً قرارات مجلس الوزراء التي تمنع حمل السلاح ونقله.. فتم إخلاء سبيلهم مقابل كفالة للفرد لا تتجاوز ال10 دولارات؟ في حينه، أثار الأمر الإستغراب والإستنكار والإدانة، حتى أنه رُفع عنوان إقالة رئيس المحكمة العسكرية، فأتى الرفض الفوري من جانب نبيه بري، فطوي الموضوع وبقيت الأسئلة بدون أجوبة!

الأمر الأكيد أن بعض المتبصرين في السلطة هالهم الحدث، وربما تنبهوا إلى أن السلاح ليس كل شيء في تغول هذه المنظومة الميليشياوية، التي تأسست كجزء من البنية العسكرية والأمنية للدفاع عن النظام الإيراني، وأهداف ملالي طهران إقامة إمبراطورية تمتد من بحر قزوين حتى المتوسط. فقد أظهرت السنوات الماضية كيف قضم الإقتصاد الموازي للدويلة الإقتصاد الوطني، والنس على بيّنة لجهة الدور الخطير لمؤسسة “القرض الحسن” وشبكة الصرافين المرتبطة بها في غسل الأموال كما في الضغط لفرض إقتصاد الكاش. وعندما يشير غير مصدر إلى تنامي تأثير هذه الميليشيا على العسكر والأمن والقضاء، لا يعود مستغرباً مشاركة وفيق صفا في إجتماع مجلس الأمن الداخلي زمن نهاد المشنوق في وزارة الداخلية. كما لا يعود مستغرباً التهديد بالقبع من جانب صفا إياه للرئيس طارق البيطار قاضي التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ. وهنا ألا يستوقف المتابع أداء النائب العام التنفيذي الأسبق غسان عويدات الذي منع تنفيذ مذكرات البيطار، وألا يطرح السؤال عن تجرؤ الضابطة العدلية بدءاً من مدير عام قوى الأمن الداخلي السابق عن تنفيذ القرارات القضائية للبيطار. وبالسياق اليس لافتاً أن يعلن رئيس الحكومة أن عناصر الحرس الثوري دخلوا لبنان بجوازات مزورة، ولم تطرح أي مساءلة للمدير السابق للأمن العام عباس إبراهيم، واللافت هنا أن عباساً كان يهدد علانية ب 6 شباط جديد(..) إن مضت السلطة بقرار نزع السلاح اللاشرعي!

أما في التعليم فالكارثة ستترك أخطر التداعيات. الحال التي أصبحت عليها الجامعة اللبنانية مخيفة وتستحق مجلدات.. لكن ما يجري في مدارس المهدي وأشباهها من دور التعليم التابعة لحزب الله مقلق. إستبدلوا النشيد الوطني بالنشيد الإيراني، ويرد الطفل عند المناداة عليه بعبارة شهيد بدل حاضر(..) هناك برمجة تُصنِّعُ أجيالاً لا ولاء لهم للبنان ولا لدولتهم بل لنظام الملالي(..) والمدمي أن فتياناً من هذه المدارس بعمر 14 و16 تم زجهم في مقتلة الجنوب، “سجلوا” مسبقاً أشرطة عن المصير الأسود الذي ينتظرهم، وتم تلقينهم أنهم “يرتقون” وأنهم “سعداء”؟ فبأي حق تزهق أرواح هؤلاء الفتية؟ وما هذه القوة القاهرة التي تُصنِّع هذه الأجيال التي تضع كل الآخرين في خانة الأعداء والعملاء؟

يطول الحديث لكن الأساس، هو أن هذه البنية، وليس السلاح وحده، هي ما جعلت حزب الله على ما هو عليه، وقد إشتغل تمدده جيداً ضمن مفاصل القرار مع منظومة الفساد المافياوية والميليشياوية التي تسلطت على اللبنانيين بعد الطائف، فتبادلوا الخدمات والشراكات، وحدث التفاعل الكبير بين السلاح اللاشرعي والشبكات الزبائنية والمحاصصة المقيتة للمنظومة المافياوية.

وحتى لا يكون ما تم ذكره مجرد كلام، فبالأمس القريب عندما نجحت ثورة تشرين بإخراج منظومة الفساد من الفضاء العام، كمدانين “كلن يعني كلن”، وإبتعد الوزراء والنواب والبنكرجية عن المطاعم والمقاهي وتخلوا عن إستخدام السيارات الرسمية كما إبتعدوا عن دورهم الأثير: التعازي وحتى الطهور(..) حرّك حزب الله جلاوزته، باسمه ونيابة عن شركائه في منظومة الفساد، للإعتداء على المتظاهرين. عمد إلى حرق الخيم وأمكنة الإعتصام من ساحة العازارية في بيروت إلى ساحة المطران في بعلبك وساحة العلم في صور وساحة النبطية(..) كانوا، وما زالوا، في سرير حكومي واحد وفي لجان نيابية وفي نقابات أساسية، وفي تقاسم البلديات الكبرى مثل بلدية العاصمة في سياق مخطط تحاصص المنافع.

مما تقدم ينبغي التأكيد أن إستعادة السيادة تفترض نزع السلاح اللاشرعي وهو مسألة محورية، لكنها تطال بقوة وضع السلطة يدها كمرجعية لا شريك لها على بنية الدولة لإنهاء كل مظاهر الدولة العميقة: الدولة داخل الدولة. إنها مسألة تفترض تفكيك البنى الموازية التي هندسها وأنشأها نظام الملالي لإستتباع البلد.. هنا يتأكد أن البلد امام مسار شاقٍ وطويل لإستعادة التأسيس، كي تستعاد الدولة فيكون لها القضاء المستقل والعقيدة الأمنية الوطنية بعيداً عن رواسب تلك الثلاثية البائسة.

التحدي مطروح بقوة على من هم اليوم في السلطة، للتبصر بالقرارات والتعيينات ومآلاتها. والتحدي مطروح بقوة على قوى التغيير الكامنة، والمقصود قوى بعينها، هي في صدد برمجة خطوات مسؤولة تدفع لقيام القطب الشعبي البديل، لذا مطالبة بأن تضع بعين الإعتبار حجم الأعباء والمهام المنتظرة على طريق الإستعادة الكاملة للدولة القادرة والعادلة والمرجع لكل المواطنين.

وكلن يعني كلن، حزب السلاح الإيراني ومنظومة الفساد التي تساكنت مع الإحتلالات والسلاح اللاشرعي، وما تستثني حدن منن.

https://hura7.com/?p=78658

الأكثر قراءة