جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم: حنا صالح مدونة الكاتب حنا صالح

عندما يكون شعار صاحب مقولة “ع السكين يا بطيخ”، ووحده “الضعيف من يلجأ إلى القضاء”، لا يعود مستغرباً “الإحترام” الكبير لدى رئيس السلطة التشريعية منذ 34 سنة للقضاء المفترض أنه سلطة مستقلة.
الرأي الذي أبدته هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل، لجهة الحسم بضرورة إقتراع المغتربين للنواب 128 في كل الدوائر ال15، أخرج رئيس المجلس عن طوره فقال إنها” المرة الأولى التي نسمع فيها أن القاضي يوقف تنفيذ القانون بدل السهر على تنفيذه”. وتابع بري أن جواب هيئة التشريع والإستشارات في وزارة العدل على كتاب وزارة الداخلية “ينم عن وجود خطة تمنع إجراء الإنتخابات وصدوره جاء بإيعاز من جهة ما”!
في دورتي الإنتخابات العامة عامي 2018 و2022 جرى طي تنفيذ بدعة الدائرة 16، وتم بالممارسة التأكيد على المساواة بالحقوق بين المقترعين من مقيمين ومغتربين. لكنه بالإستناد إلى نتائج الإنتخابات الأخيرة، إنطلقت عملية التراجع عن حق مكتسب للمغتربين، وإمتنع نبيه بري عن إدراج طلب من أكثرية النواب لتعديل القانون، وهو بالمناسبة متصادم مع الدستور وقد وصفه رئيس الحكومة بأنه الأسوأ، لكن بري تجاهل ورفض أي بحث قد يفضي إلى إدخال تعديلات على قانون هو بالنهاية حصيلة مساومات بين كتل طائفية كبرى توصلت إلى الصيغة التي تمكنها من التحكم بالصوت التفضيلي، إنه البدعة الإجرامية التي يتم عبرها تزوير إرادة الناخبين. كما رفض بري لاحقاً مشروع التعديلات على القانون الذي تقدمت به الحكومة ومنطلقه تعذر تنفيذ الدائرة ال16 التي تحصر حق المغتربين بإنتخاب 6 نواب في الخارج بحيث ينعدم تأثير الإغتراب المتحرر بنسبة ما من الضغوط الطائفية والمذهبية والمناطقية على صناعة السياسة العامة!
إقتراع المغتربين قد يحد من إستنساخ برلمان يحاكي ما سبقه من برلمانات الإستباع الشبيهة بأي برلمان في الأنظمة الشمولية لا دور له إلاّ للتشريع في خدمة مصالح من حولوا السلطة إلى بزنس! ويكون الغطاء لقوننة الفساد فتستمر الحصانات والإفلات من العقاب!
ما يدعو للإستهجان أن دورة نيابية كاملة إنقضت ولم يتم تقديم مشروع قانون جديد يضمن عدالة التمثيل وقيام سلطة إشتراعية حقيقية، ليقتصر النقاش اليوم على جانب واحد، وهو مهم، حق المغتربين بالمساواة في العملية الإنتخابية مع المقيمين، لكن ضمان حرية المقيم في ممارسة حقه في الإقتراع غير مضمونة. إن ما يدعو للإستهجان هو عدم التجرؤ على رفع الصوت أن الإنتخابات كإستحقاق دستوري تفترض وجود المناخ الذي يتيح حرية الإقتراع، فلا تتم العملية تحت تأثير وهج سلاح حزب الله من جهة، ومن جهة أخرى وهج ما يقابله هنا وهناك من كنتنة مناطقية تضرب أساس العملية الإنتخابية لأنها تترك المقترع تحت تأثير الترهيب والترغيب والرشوة!
الفرصة متاحة للمضي بالضغط لجعل الإنتخابات فرصة أمام اللبنانيين لإستعادة أصواتهم الحرة، ولممارسة حقهم وتأثيرهم في رسم وصناعة مستقبل بلدهم، بعدما أخذته منظومة الفساد الناهبة والمرتهنة إلى الجحيم! الفرصة متاحة لإعلاء الصوت لإطلاق محاسبة حقيقية للمافيا السياسية الناهبة، ومن بنكرجية وميليشيا، لتأتي الإنتخابات كتتمة لبدء المساءلة والمحاسبة ووضع حد لنهج العدالة المعلقة!
وبعد، كفى إفتئاتاً على السلطة القضائية، وكفى هذا الإستتباع لأهواء منظومة الإستبداد، فقيامة البلد تفترض وجود القضاء كسلطة مستقلة.. وهذا يعيدنا إلى الأساس. في مطلع التسعينات جرت محاولة خجولة من الياس الهراوي لقيام مجلس دستوري مع صلاحيات أشبه بصلاحيات محكمة عليا كألمانيا مثلاً لجهة منع التلاعب الدستوري ومنع تنفيذ القوانين بإستنسابية كما هو حاصل اليوم، لكن فرية “البرلمان سيد نفسه”، وهو “المرجع بتفسير القانون” التي تمسك بها نبيه بري مدعوماً من رفيق الحريري، هي ما ساد، وبات للبنان مجلس دستوري شكلي محدود الصلاحية يعكس الحالة العامة التي يعيشها القضاء.
نعم السلطة القضائية المستقلة هي المرجع لحماية الحقوق والضمانة للعدالة. وعلى سبيل المثال، والحديث هنا عن الإنتخابات وغضب رئيس المجلس على هيئة التشريع والإستشارات، نشير إلى أن المجلس الدستوري في فرنسا أبطل عدة محاولات جرت تمس بالمساواة بين المقترعين، ومنع العبث السياسي بالقانون لجهة إستسهال التلاعب بتقسيم الدوائر وكان له الكلمة الفصل!
في بلدنا الموجوع والمسروق هناك المعاقب دولياً بالفساد والمدعى عليه بجريمة “القصد الإحتمالي بالقتل” في جريمة تفجير المرفأ متربع على سدة التشريع وصياغة القانون وتفسيره! ولأن منظومة الفساد، لإشعار آخر باقية فوق القانون، شهدنا بالأمس جميل السيد يعلق على فحوى جواب هيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل بالعبارة التالية:” هكذا فتاوى وآراء إجرامية بحق الدستور والقانون تلائم من يجب أن يكون مكانهم في السجون وليس في قصور العدل..” جميل خبير فلا ينبغي الإستخفاف بما أدلى به!
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.


