جريدة الحرة بيروت
بقلم : د .عبد الرؤوف سنّو، مؤرّخ وباحث

بتهوّره المعهود، وبغياب أي حسّ وطني أو اكتراث بمصلحة لبنان، ولا حتى بمصلحة طائفته، يواصل الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم من جديد الدفع بلبنان إلى قلب الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وفي الوقت نفسه، عدم الاستجابة لقرار الدولة اللبنانية بحصر السلاح بيد جيشها. وقد قالها اليوم بوضوح يعرفه اللبنانيون منذ عقود: “لبيك خامنئي”، في إعلانٍ صريح للولاء العقائدي والفكري والسياسي والعسكري لمرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي. هذا التصريح ليس زلّة لسان ولا خطابًا تعبويًّا عابرًا، بل خلاصة مسار سياسي–أيديولوجي طويل يجعل من لبنان ساحة متقدّمة في صراعات الآخرين، ويحوّل الدولة ومجتمعها إلى رهائن “حروب إسناد” تُدار من خارج الحدود، كان آخرها في حرب غزة.
منذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، قام حزب الله على ارتباطٍ عضوي بالجمهورية الإسلامية في إيران، وعلى عقيدة “ولاية الفقيه” بوصفها المرجعية النهائية للقرار السياسي والعسكري. وقد عبّر الأمين العام السابق حسن نصرالله عن هذا الارتباط بعبارة لا تحتمل التأويل حين قال: “أكلنا وشربنا وأموالنا وصواريخنا من إيران”، مؤكدًا أن مصادر تمويل حزبه وتسليحه وقراره تتجاوز الدولة اللبنانية ومؤسساتها. هنا لا نتحدّث عن تحالفٍ سياسي تقليدي، بل عن تبعية أيديولوجية–تنظيمية تُقدّم الولاء العابر للحدود على السيادة الوطنية.
تاريخ الدعم الإيراني للحزب يوضح طبيعته الوظيفية. فالدعم لم يكن “تضامنًا” رمزياً، بل استثماراً منظّماً في بناء نفوذ إقليمي يتغطى بالقضية الفلسطينية، عبر شبكات مسلّحة عابرة للدول. وثائق وتصريحات رسمية إيرانية أشارت مرارًا إلى “محور المقاومة” بوصفه إطارًا جامعًا لساحات متعددة تُدار وفق مقتضيات الصراع والتفاوض ومصالح “الولي الفقيه”. هذا الاستثمار وفّر لإيران أدوات ضغط عسكرية وأمنية وسياسية تُستخدم عند الحاجة، فيما شكّل لبنان، بضعف دولته وتعدديته الهشّة، ساحةً مثالية لتثبيت موطئ قدم للمقاومة الفلسطينية وللاحتلال السوري للبنان، ومنذ الثمانينيات لإيران، ولتوسيع نطاق الردع غير المتكافئ، ولإرسال الرسائل في لحظات مفصلية.
على المستوى الإقليمي، تجلّى هذا الدور الوظيفي في ربط مسارات الساحات ببعضها البعض. فـ “وحدة الساحات” ليست شعارًا أخلاقيًا، بل آلية إدارة صراع تسمح بتحريك الجبهات أو تجميدها تبعاً لحسابات المركز في طهران، كما ظهر في تصريحات قيادات الحزب التي ربطت قرار الفعل العسكري بسياق إقليمي أشمل تعبّر إيران عنه. والنتيجة العملية كانت دائماً واحدة: تعليق مصالح المجتمعات المحلية على رهانات خارجية، وإخضاع السياسات الوطنية لمنطق التصعيد أو التهدئة الآتي من الخارج. وفي الحالة اللبنانية، كان الثمن باهظاً: تعطيل الدولة، إضعاف الاقتصاد، وتآكل الثقة بالمؤسسات، مع تكريس سلاح خارج الشرعية يفرض وقائع سياسية بقوة الأمر الواقع.
داخلياً، أسهم هذا التموضع في تشويه مفهوم المقاومة وتحويله من حقّ وطني مشروع إلى أداة حزبية مغلقة لا تخضع للمساءلة الدستورية ولا لقرار الدولة. وقد أكّدت وثائق رسمية لبنانية، بما فيها بيانات حكومية متعاقبة، على ضرورة حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وعلى مرجعية الدستور في الشؤون السيادية. ومع توسّع النفوذ، برز نمط إدارة يقوم على إحلال الولاء الأيديولوجي محلّ المواطنية، وعلى تقديم “الالتزام العقائدي” و”التبعية العسكرية والمالية على العقد الاجتماعي. هذا النمط لم يقض على سيادة الدولة اللبنانية، بل أنتج ازدواجية سلطة تُربك القانون وتُضعف السيادة وتُقسّم المجتمع بين منطق الدولة ومنطق التنظيم.
الشقّ الأيديولوجي لهذا الدور لا يقلّ خطورة عن الشقّ العسكري. فخطاب “الاصطفاف الوجودي” يُستخدم لتبرير توريط المجتمعات في صراعات مفتوحة، ولإسكات أي اعتراض بوصفه خيانة أو تواطؤًا. وقد وثّقت تقارير دولية وأممية آثار السلاح خارج الدولة على الاستقرار الداخلي والاقتصاد والاستثمار في لبنان. هكذا، تتحوّل السياسة إلى تعبئة دائمة، ويُختزل النقاش العام في ثنائيات حادّة تُقصي التعدّد وتُفرغ المجال العام من العقلانية. وفي لبنان، حيث التوازنات دقيقة، يقود هذا الخطاب إلى تفكيك الثقة بين المكوّنات بدل ترميمها، وإلى تعميق الانقسام بدلا من بناء مشروع جامع.
في المقابل، يبرز خيار آخر يعبّر عنه نداء اللبنانيين اليوم: “لبيك لبنان”. لبيك للدولة ومؤسساتها، لبيك لمرجعية الدستور، ولبيك لقيادة شرعية تسعى إلى استعادة القرار الوطني. إن دعم الدولة لا يعني الانخراط في محور مقابل، بل تحرير القرار من أي محور، وإعادة السياسة إلى فضائها الطبيعي: المصلحة العامة، والمساءلة، وسيادة القانون. من هنا يأتي الالتفاف حول رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة—بصرف النظر عن الأشخاص—بوصفه خيار دولة لا خيار أفراد .
علّمت التجربة المريرة اللبنانيين أن الارتهان الإقليمي لا يشكل حماية لأحد. فالدول تُبنى بتوازنات داخلية راسخة، وباحتكارٍ شرعي للسلاح، وبسياسات خارجية متوازنة لا تجعل البلاد منصة لصراعات الآخرين. وما دام القرار العسكري خارج الدولة، سيبقى الاقتصاد هشّاً، والاستثمار خائفاً، والمجتمع منقسماً. لذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء لبنان، كما تؤكد قرارات دولية متصلة بلبنان وسيادته.
الخلاف اليوم ليس بين “مقاومة” و”تطبيع”، ولا بين “محور” و”محور”، بل بين مشروع دولة سيدة مستقلة ومشروع ارتهان دائم مهلك للدولة وللوطن. المشروع الأول يعترف بالتعدّد، ويحتكم إلى الدستور، ويوازن علاقاته الخارجية بما يحفظ المصلحة الوطنية. أما المشروع الثاني، فيربط مصير البلاد بحسابات إيران الإقليمية المعروفة والثابتة، ويُعرّض المجتمع لدورات استنزاف لا تنتهي. إن القول “لبيك خامنئي” من دون خجل يُلخّص خيارًا سياسيًا–أيديولوجيًا يضع لبنان في موقع الأداة؛ والردّ الطبيعي هو “لبيك لبنان”: لبيك للدولة، لبيك للمؤسسات، لبيك لإرادة اللبنانيين في استعادة قرارهم وبناء دولة لا تُستَخدم وقوداً لحروب الآخرين. فالأوطان ليست سلعة للبيع أـو الرهن أو المزاد العلني، بل كيان سيادي لا يقوم إلا بدولة ودستور، لا بولاءات عابرة للحدود.


