جريدة الحرة بيروت
بقلم :كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
عام وشهران فقط كانا كافيين لإحداث تحوّل ملموس في المشهد البلدي داخل الجديدة – البوشرية – السدّ. ففي منطقة اعتادت لسنوات طويلة على بطء المعالجات وتراكم الملفات العالقة، بدأت معالم نهج مختلف تتكرّس تدريجياً منذ انتخاب المحامي أوغوست باخوس رئيساً للبلدية، في تجربة تبدو حتى الآن خروجاً واضحاً عن القواعد التقليدية التي حكمت العمل البلدي في الحقبة السابقة.
فالبلديات، في نهاية المطاف، تمتلك تقريباً الصلاحيات نفسها، لكن ما يصنع الفارق الحقيقي هو الإرادة في استخدام هذه الصلاحيات. ومن هنا تحديداً برز ملف الإعلانات كواحد من أكثر النماذج دلالة على حجم التحوّل الحاصل. فهذا الملف شكّل لعقود طويلة إحدى أكثر البؤر التصاقاً بالمحسوبيات والاستنسابيّة والتسويات، حتى تحوّل مع الوقت إلى مساحة مفتوحة للفوضى المنظمة، حيث تمددت المخالفات، واستُبيحت الأملاك العامة، وغاب القانون خلف نفوذ المصالح الخاصة.
اليوم، يبدو المشهد مختلفاً بصورة جذرية. فلجنة الإعلانات برئاسة عضو المجلس البلدي المحامية فنيسا نجم، وبمشاركة مقرر اللجنة السيد أنطونيو كيروز، قررت فتح واحد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، واضعة نفسها في مواجهة مباشرة مع إرث طويل من الفوضى التي اعتقد كثيرون أنّها أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن المساس به.
وما يلفت الانتباه أكثر أنّ هذه المواجهة لم تبق محصورة داخل مكاتب المجلس البلدي أو خلف البيانات الإعلاميّة، فالحضور الميداني اليومي لنجم وكيروز إلى جانب فريق متخصص بات جزءاً من المشهد اليومي على الطرقات والشوارع، حيثُ تتواصل عمليات إزالة المخالفات الإعلانية والتعديات على الأملاك العامة بوتيرة ثابتة، في مشهد لم تألفه المنطقة منذ سنوات طويلة.
والحقيقة أن هذا الملف كان من أكثر الملفات التي استنزفتها التسويات والاعتبارات الضيقة، حيثُ تراكمت المخالفات وتكاثرت الإعلانات العشوائية، فيما كان القانون يُدفع إلى الهامش كلما تعارض مع نفوذ أو مصلحة أو وساطة. أما اليوم، فثمة مقاربة مختلفة تقوم على مبدأ بسيط وواضح: “لا استثناءات، ولا امتيازات، ولا معايير مزدوجة في تطبيق الأنظمة”.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “الحرّة”، فإنّ ما يجري لا يقتصر على إزالة المخالفات المنتشرة في الشوارع، إنّما يتعداه إلى عملية إصلاح بنيوية شاملة تستهدف إعادة تنظيم هذا القطاع بالكامل. وتشمل هذه العملية إعادة هيكلة لجنة الإعلانات وآليات عملها، وتطوير إجراءات منح التراخيص، ووضع قواعد شفافة وواضحة تنظم العلاقة بين البلدية وأصحاب الطلبات، بما ينهي حقبة طويلة من الضبابية التي أحاطت بهذا الملف وأفقدته ثقة الرأي العام.
غير أنّ أهمية هذا العمل يتجاوز الإجراءات الإدارية والتنظيمية. فهو ضرب في العمق ثقافة مترسخة قامت لسنوات على قناعة مفادها بأنّ بعض الملفات ممنوع فتحها، وأنّ بعض المخالفات أقوى من القانون، وبالتالي ما يحصل اليوم يحمل رسالة معاكسة تماماً: “لا ملف محصناً عندما تتوافر الإرادة، ولا مخالفة دائمة عندما يقرر القانون استعادة هيبته”.
ففي بلدة أُرهق مواطنوها من كثرة الوعود وندرة الإنجازات، تبدو لجنة الإعلانات في الجديدة – البوشرية – السدّ وكأنها تخوض واحدة من أكثر المواجهات جرأة داخل العمل البلدي. مواجهة تستهدف العقلية التي سمحت بتكاثرها وحمايتها وتحويلها إلى أمر واقع.
قد تكون الطريق لا تزال طويلة، وقد تكون هناك ملفات أخرى تنتظر المعالجة والحسم، إلاّ أنّ الثابت اليوم يتمثل في اقتراب نهاية مرحلة التساهل مع الفوضى، وبدء مرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون، وحماية الأملاك العامة، وتقديم المصلحة العامة على ما عداها.


