جريدة الحرة بيروت
تأتي إشارات الانفتاح الصادرة عن الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، تجاه دمشق واستعداده لعقد لقاءات علنية مع قيادتها في توقيت بالغ الحساسية، محفوف بالتحديات الميدانية والضغوط السياسية غير المسبوقة التي تعصف بالساحة اللبنانية. ويبدو أن هذا التوجه لم يأتِ من فراغ، بل تمليه اعتبارات استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمسار المواجهة الحالية والتحولات الإقليمية المتسارعة؛ إذ يسعى الحزب من خلال هذه الرسائل السياسية الموجهة نحو دمشق إلى كسر الطوق السياسي المفروض عليه في الداخل، لا سيما في ظل تصاعد الضغوط ورفض أطراف السلطة التنفيذية لمساره الميداني وتمسكهم بالمفاوضات المباشرة، محاولاً إعادة تأكيد عمقه الاستراتيجي عبر البوابة السورية للتخفيف من حدة العزلة.
إلى جانب ذلك، يدرك الحزب أن تماسك ما يُعرف بمحور المقاومة يشكل طوق نجاة في معركة كسر العظم الجارية، مما يجعل إحياء وتطوير العلاقات مع دمشق رسالة ردع واضحة لكل المراهنين على تقويض نفوذه أو إضعاف حلقاته الإقليمية. ويأتي هذا الطرح تزامناً مع جولات التفاوض المكثفة في العاصمة الإيطالية روما وضغوط الأطراف الدولية والإقليمية لدفع لبنان نحو تسويات أمنية بشروط مجحفة، مما دفعه إلى التلويح بالورقة السورية كخيار بديل وموازن يمنع استفراد الخصوم بالقرار اللبناني.
آفاق العلاقة بين حزب الله ودمشق: انفتاح استراتيجي على وقع التحديات الميدانية
في خضم التشابكات السياسية الإقليمية والدولية المتسارعة التي تعصف بالساحة اللبنانية، برزت مواقف الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، لتفتح الباب أمام قراءة جديدة لمستقبل العلاقات الثنائية بين بيروت ودمشق. وفي محطة مفصلية تعكس عمق الروابط الجيوسياسية والتاريخية التي تجمع الطرفين، شدد قاسم على عدم وجود أي عائق أمام عقد لقاءات علنية ومباشرة بين قيادة الحزب والقيادة السورية، بشرط أن يتم ذلك في التوقيت الذي يرتئيه الجانبان مناسباً وبما يخدم المصلحة المشتركة.
هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل يتقاطع مع مسار طويل من التنسيق الميداني والسياسي، ويأتي ليعيد تثبيت ركائز التحالف الاستراتيجي في مرحلة حساسة تمر بها المنطقة برمتها وسط تحديات أمنية غير مسبوقة وضغوط خارجية متصاعدة تهدف إلى إعادة رسم الخرائط وتحجيم دور قوى المقاومة.
ولم يقتصر الطرح الذي قدمه قاسم على الجانب البروتوكولي أو اللقاءات الشكلية، بل امتد ليرسم ملامح رؤية متكاملة لطبيعة العلاقة المنشودة بين البلدين الجارين. فقد أكد حرص الحزب العميق على دعم مسيرة الاستقرار في سوريا، معرباً عن أمله الصادق في نجاح دمشق في ترسيخ أسس العدالة، وتحقيق التعاون الفاعل والمثمر بين مختلف مكونات نسيجها الاجتماعي والسياسي، لتظل دولة واحدة موحدة قادرة على استعادة كل شبر من أراضيها المحتلة وطرد الاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا السياق الإنساني والوطني، برزت قضية عودة النازحين السوريين المقيمين في لبنان وفي شتى أماكن نزوحهم إلى وطنهم الأم، حيث شدد قاسم على ضرورة تأمين عودة آمنة وكريمة تعزز من استقرارهم وتصون كرامتهم الإنسانية. وجسّد هذا الطرح قناعة راسخة لدى قيادة الحزب مفادها أن سوريا المستقرة والمزدهرة تمثل بالضرورة ظهيراً استراتيجياً وسنداً حقيقياً للبنان، والعكس صحيح، إذ لا يمكن تصور استقرار حقيقي لأحدهما بمعزل عن الآخر نظراً لترابط المصالح والأمن القومي المشترك.
من الناحية الأخرى، تكتسب هذه التطورات أبعاداً أعمق بالنظر إلى المواقف السابقة الصادرة عن القيادة السورية، ولا سيما ما أدلى به الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلته التلفزيونية خلال شهر يونيو الماضي. فقد حسمت دمشق الجدل حينها عبر التأكيد القاطع على خلو أجندتها من أي نية للتدخل العسكري المباشر في الشأن اللبناني الداخلي، رداً على الطروحات الخارجية ولا سيما تلك المرتبطة بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي الوقت ذاته، أبدى الشرع مرونة وانفتاحاً سياسياً واضحاً تجاه إمكانية الحوار مع حزب الله، شريطة أن يصب ذلك حصراً في مصلحة الاستقرار المشترك للبلدين. وشدد الجانب السوري مراراً على أن دوره المنشود في هذه المرحلة الدقيقة يتركز بشكل أساسي على دعم الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية، متجنباً أي انخراط في صراعات عسكرية جانبية قد تفاقم من تعقيدات المشهد الإقليمي.


