
جريدة الحرة بيروت
بقلم : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
منذ اللّحظة الأولى لورود نبأ استهداف مراسلة قناة “الميادين”، الصحافيّة فاطمة فتوني، اندفع عدد كبير من اللّبنانيين إلى حسابها على منصّة “أكس” ليستقصوا انتماءها السياسي، وكأنّهم يحدّدون على أساسه إن كانوا سيعزّون برحيلها أم سيقابلونه بالشماتة.
لقد عُرفت فاطمة بالتزام عميق بقضيّة آمنت بها، وانخراط كامل في خطّ المقاومة الإسلاميّة، إلى حدّ أنّ بعض مواقفها وتعليقاتها على وسائل التواصل الاجتماعي عكست حدّةً في التعبير تجاه خصومها السياسيين. غير أنّ ما يسمو فوق كلّ ذلك في هذه الحادثة، هو ما قد لا يعلمه كثيرون أنّ هذه المراسلة المندفعة خسرت عائلتها بأكملها في بدايات الحرب، ومع ذلك لم تستسلم لحزنها، ولم تنكسر أمام الفاجعة، إنّما أصرّت على أن تكون في الميدان، مواجهةً من تسبّب بحرمانها من أسرتها، إلى أن لقيت مصيرها، فلحقت بأحبّتها.
أتدرون؟ لو كنتُ مكان فاطمة، لسلكت المسار ذاته. فأنا صحافيّة لبنانيّة أؤمن بقضيّة الـ10452 كلم التي أراها محقّة، ولو أنّ القصف والتهديد بالتهجير اللذين نشهدهما اليوم طالا “لا سمح الله” مناطق مثل زحلة أو بشرّي أو الأشرفية، لوجدتموني في الميدان أنقل الحقيقة كما هي، بلا تردّد ولا خوف، مدفوعةً بما أعتقده حقّاً، ومسلّحةً بالشجاعة.
أمّا أولئك الشامتون برحيلها، فليتأمّلوا لحظةً، لو كنتُ أنا مكانها، واستُهدِفت، ثمّ دخل أنصار “حزب الله” إلى حساباتي على وسائل التواصل الاجتماعي، فعثروا على تعليقات قاسية ولاذعة بحقّهم، فهل يكون ذلك مبرّراً أخلاقياً للشماتة بمقتلي؟ وهل تُختزل قيمة الإنسان بكلمات كُتبت في لحظة انفعال، ليُبنى عليها حكم نهائيّ في لحظة الفقد؟. الإيمان بقضيّة ما يجعل تغيير القناعات أمراً بالغ الصعوبة، إذ إنّ الأخلاق لا تُقاس بالانتماءات ولا بالمواقف السياسية، بقدر ما تُبنى في البيوت، وتترسّخ بالتربية والقيم.
ما نحتاج إليه اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، هو الارتقاء بمنسوب التعقّل وضبط النفس، ولا سيّما في زمن تتكاثر فيه الجراح وتتفاقم فيه الانقسامات. وخصوصاً نحن المسيحيّون، المنتمين إلى إرث روحيّ عميق، الذي علّمنا معنى التسامح، وأرشدنا إلى أنّ استيفاء الحقوق يكون بالثبات على القيم، والسعي إلى العدالة بوعي ومسؤوليّة، بعيداً عن نزعات الانتقام، وقريباً من جوهر الإنسانيّة التي تجمعنا، مهما تباينت مواقعنا وتعدّدت معتقداتنا.


