جريدة الحرة ـ بيروت

بقام : كارين القسيس مدونة الكاتبة كارين القسيس
مع اقتراب زيارة البابا إلى لبنان، لا حماسة تُذكَر، ولا ترقّب يُشبه ما كان في زمن مضى، فالأزمة ليست في شخص البابا نفسه، إنّما في سياسات الفاتيكان المتراكمة، التي لم تُحاسب يوماً “الجيش الأسود”، ذاك الجهاز الرهباني المتخم معظمه بالفساد، ولم تجرؤ على إيقافهم عند حدودهم، وكأنّ تهجير المسيحيين من أرضهم قدرٌ محتوم، لا يتمّ إلّا بأيدي من يُفترض بهم أن يصونوا وجودهم. لبنان
البابا يعلم، ويعلم جيّداً…تصل إليه التقارير والحقائق عارية من التجميل و”التلميع”، ويعلم تماماً كيف يتصرّف أولئك الذين اتّخذوا من السواد ثوباً، ومن مراكزهم سلاحاً، ومع ذلك يلوذ بالصمت، فليته كان شيعيّاً، لرأينا صفوف الفاسدين من “الجيش الأسود” مصطفّة أمام القضاء الكنسي، مرصوصة كجنود منضبطين ينتظرون المساءلة والحساب، بدلاً من انتظار من سيكرمهم بدعوة غداء أم عشاء.
الشعب اللبناني لا ينتظر من البابا أن يتغنّى مجدّداً بـ”العيش المشترك” أو “الرسالة الجامعة”، أو أن يتحدّث عن الإيمان
الشعب اللبناني لا ينتظر من البابا أن يتغنّى مجدّداً بـ”العيش المشترك” أو “الرسالة الجامعة”، أو أن يتحدّث عن الإيمان بتلك العبارات التي استُهلكت حتّى التلاشي، فالمسيحيون اليوم لا يطلبون سوى العدالة والعيش بكرامة، ويترقّبون أن يأتي البابا ليضع الفاسدين عند حدّهم.
ويعلم أنّ مسيحيّي لبنان لا يستطيعون دخول المستشفيات إلاّ إذا سدّدوا ثمن العلاج سلفاً، وأنّ “الرحمة” على أبواب بعض المؤسسات الكنسية تُقاس بسماكة المحفظة.
ويعلم أيضاً أنّ ربّ العائلة المسيحيّ يكدح ليلاً ونهاراً ليؤمّن لأبنائه مقعداً في مدارس وجامعات الرهبان والراهبات، بينما هذه المؤسسة التربوية نفسها ترفع أقساطها ببرودة عابثة، وكأنّها تتاجر بالإيمان لا تُعلّمه.
بل أكثر من ذلك…حتى من يريد الزواج لا ينجو من هذا “السوق المقدّس”، فبعض الكهنة لا يباركون الزواج إلّا بعد معرفة أين يعمل الشاب، وما هو راتبه، وإلى أيّ فئة اجتماعية ينتمي، ليُحدّدوا “التسعيرة” المناسبة للبركة، للأسف، أصبح سرّ الزواج في بعض الرعايا صفقة تُقاس بالقدرة الشرائيّة، لا بالإيمان ولا بالمحبّة.
وإذا لم يكن للعريس وظيفة محترمة، فليبحث عن “بركة بالتقسيط”، أو عن كاهن أقلّ جشعاً.
وبينما تُختبر حقوق المسيحيين يومياً في المستشفيات والمؤسسات الكنسية، يبقى أهالي الديمان يترقبون أن يُصغي إليهم البابا، ويحمي أراضيهم من بطش بعض الرهبان.
ليت وليت وليت…
ليت البابا شيعيّاً…لرُبّما أجبر المدارس الكاثوليكيّة على أن “تُنشّئ” أبناءها على معرفة تاريخهم الحقيقي، تاريخ البطاركة ورجال الدولة الذين صانوا بقاء المسيحيين في لبنان، من البطريرك الحويّك الذي شارك في ولادة الدولة اللبنانية، إلى البطريرك صفير الذي واجه الوصاية السورية بشجاعة نادرة. لبنان
أحسد الطائفة الشيعيّة، نعم، أحسدها، لأنّها تُعلّم أبناءها تاريخها دون خجل ومواربة، وتنقل إليهم الحقيقة التي ينبغي أن يعرفوها، بينما نحن نُربّي أجيالنا على النسيان، ونخجل من حقيقتنا، وكأنّ التاريخ عار يجب طمسه، لا مجدٌ يجب صونه. لبنان
ليت البابا شيعيّاً، فلربّما كان صوته أعلى، وغضبه أعدل، أمّا اليوم، فالمسيحيّ في لبنان لم يَعُد ينتظر سوى المحاسبة العادلة، قبل أن يتم تهجيره من أرضه… إلى الأبد.


