جريدة الحرة بيروت

بقلم – كارين القسيس ـ بيروت ـ مدونة الكاتبة كارين القسيس
تشهد مواقع التواصل الاجتماعي منذ ساعات صباح اليوم ـ الحادي عشر من يناير 2026 ـ حالة من البلبلة والتضليل، على خلفية ادعاءات تفيد بأنّ مديريّة مخابرات الجيش، بقيادة العميد طوني قهوجي، أقدمت على توقيف الشاب محمد حرقوص في الضاحية الجنوبيّة بتهمة تزوير رخص قيادة، وأنّه ما لبث أن تُوفي بعد ساعتين من توقيفه نتيجة التعذيب، وفق ما يُتداول إعلامياً ويُنسب إلى تقرير طبيب شرعي.
وإزاء هذا السيل من الاتهامات، لا بدّ من التوقّف عند الوقائع بمنهجيّة موضوعيّة، بعيداً عن الانفعال والتحريض. فمن قال إنّ الصور المتداولة تعود إلى الشاب المذكور؟ ومن قرّر أنّ كل ما يُنشر على منصات التواصل الاجتماعي يُعامل بوصفه حقيقة ثابتة لا تقبل التشكيك أو التحقق؟
ثمّ إنّ المنطق القانوني وحده كفيل بنسف هذه الرواية من أساسها. فقضية تزوير رخص القيادة لا تدخل، من حيث الاختصاص، في صلب مهام مديرية مخابرات الجيش، ولا تُعالج بأسلوب “الخطف الأمني” الذي يحاول البعض الإيحاء به، وحتّى على سبيل الجدل، إن افترضنا حصول توقيف من هذا النوع، فهل يُعقل أن يُمارس التعذيب المفضي إلى الموت بسبب جنحة كهذه؟
إن في هذه الرواية الكثير من التناقضات والثغرات ما يفتح أبواب الشك والاستفهام على مصراعيها، صحيح أنّ اللبنانيين خبروا عبر عقود أجهزة أمنية قمعية، لكن ذلك لا يمنح أحداً صكّ اتهام مفتوحاً لتشويه السمعة ورمي الاتهامات جزافاً.
فالعميد قهوجي، منذ تولّيه مهامه، راكم سجلاً مهنياً لا يمكن القفز فوقه، بشهادة أكثر من جهاز أمني إقليمي ودولي، وآخرها جهات أمنيّة سوريّة ناشئة أبدت صراحة تمنّيها امتلاك شخصية قيادية بمواصفاته لإعادة تنظيم الأمور في سوريا الجديدة.
إن التصويب العشوائي على أي جهاز أمني، انطلاقاً من خلفيات سياسيّة أو أحقاد مسبقة، لن يؤدي إلاّ إلى مزيد من الفوضى والفتنة. فلبنان بلد صغير، والحقيقة فيه لا تبقى مطموسة طويلاً، وبالتالي إذا ثبتت صحة هذه الادعاءات، فإنّ المساءلة واجبة، ومحاسبة العناصر المتورطين ضرورة لا نقاش فيها، وصولاً إلى طردهم من الخدمة ومحاسبتهم أمام القضاء المختص.
أمّا قبل ذلك، التروّي واجب، والاتهام دون دليل جريمة لا تقل خطورة عن الجريمة نفسها.


